مارتن لوثر

From Zuhlool زهلول - الموسوعة العالمية المجانية

Jump to: navigation, search
مارتن لوثر
تكبير
مارتن لوثر

مصلح ديني مسيحي ألماني ثار على الكنيسة الكاثوليكية وهو مؤسس البروتستانتية.

ولد في مدينة ايسليبن بمقاطعة ساكس الألمانية سنة 1483 لأب فلاح كانت أمنيته أن يدرس ابنه القانون لكن مارتن لوثر المحب للرهبانية منذ صغره عكف على الدراسات اللاهوتية الأكاديمية، حتى حصل على الدكتوراه في هذا المجال من جامعة فيتنبرغ وصار أستاذا لدراسات الكتاب المُقدس (الإنجيل) فيها في عام 1512.

زار لوثر في العام 1510 روما للحصول على بركة المقر الرسولي، وكان يتمنى رؤية القديسين والرهبان الزهاد. غير أنه ما إن حل بروما حتى فوجئ بمدى الفساد المنتشر داخل الكنيسة الكاثوليكية على جميع المستويات.

في القرن السادس عشر، رفع مارتن لوثر – مؤسس حركة الإصلاح البروتستانتي - شُعلة الإصلاح الديني، ساعياً إلى تطهير المسيحية من العقائد غير الأصيلة. كان أكثر ما يؤرق مارتن لوثر، إيمان المسيحيين بفكرة صكوك الغفران. إلا أنه لم يكن في حُسبانه أن يتحول هذا الأرق إلى ثورة إصلاحية كبيرة، لا تعم ألمانيا وحدها، بل القارة الاوروبية بأكملها. ولم يكن يدور في خلده، أن تُسفر مسيرته تلك عن صلح وستفاليا في عام 1648 ذلك الصلح الذي وضع حجر الاساس لعلمنة الغرب. ولم يكن في حُسبان لوثر أيضا أن تتحول معارضته لصكوك الغُفران إلى حرب عارمة على البابوية، ومنها إلى تأسيس العلمنة السياسية في أوروبا.

الحرب ضد صكوك الغُفران

كانت الكنيسة الكاثوليكية تبيع صكوك غفران الذنوب، وصكوك التوبة للمؤمنين بها بل إن بعض الرهبان كانوا يحددون المدة التي سيقضيها المذنب في النار قبل أن يمنحوه صكوك الغفران التي تعتقه وتسمح له بالمرور إلى الجنة!

تأثر مارتن لوثر المتحمس من تلك المشاهد فأحس بالغبن وقرّر العمل على إصلاح الكنيسة وتقويض سلطة البابا.

بدأ لوثر خصواته الاحتجاجية بتعليق بتعليق احتجاج على باب كنيسة مدينة فيتنبرغ في 31 من تشرين الأول/أكتوبر 1517 ، تضمن ذاك الاحتجاج 95 نقطة تضمنت المطالبة بإلغاء النظام البابوي لأنه يمنح قدسية كبيرة لبشر قد يسيئون استعمالها، كما رفض لوثر أن يبقى القسيس بلا زواج مدى الحياة فأقدم على الزواج من الراهبة كاترينا فون بورا وأنجب منها ستة أطفال.

وكانت من بين مطالب لوثر أيضا المساواة بين الإكليروس وهم رجال اللاهوت المسيحي والمسيحيين العاديي، ودعا لوثر إلى إلغاء الوساطة بين المؤمنين والرب بمعنى إقامة علاقة مباشرة بين العبد والمعبود دون المرور عبر البابا أو أي شخص آخر. غير أن ما سيؤثر على مستقبل الكنيسة الكاثوليكية بشكل عام كانت دعوة مارتن لوثر إلى جعل الكتاب المقدس المصدر الوحيد للإيمان تأثرا بنظرية القديس بطرس التي تقول ما معناه أن الإنسان الذي لوثته الخطيئة لا يمكن أن يتم تطهيره من تلك الخطيئة سوى الإيمان الذي يتجلى في رحمة الرب وإرادته. وتبعت تلك الدعوة لاعتبار الكتاب المقدس هو المرجع الوحيد للمؤمنين بالكنيسة مطالبته بالعودة إلى التوراة العبرانية القديمة باعتبار العبرية هي كلام الله وإعادة قراءة التوراة بطريقة جديدة بالإضافة إلى اعتماد الطقوس اليهودية في الصلاة عوضا عن الطقوس الكاثوليكية المعقدة.

الإصلاح البروتستانتي

الموقف العنيف لبابا الفاتيكان ليو العاشر قلب قضية لوثر رأساً على عقب، فمن مُدافع عن سُمعة البابا، أضحى لوثر من أشد المُهاجمين للكرسي المقدس. لم يكن موقف البابا سهلاً أو بسيطاً، فهو لم يكتف فقط بطرد لوثر من الكنيسة الكاثوليكية، باعتباره ناقضاً لفكرة صكوك الغُفران، بل وصفه بالانحراف والهرطقة وهو وصف كان يتبعه عقاب وحيد في ذلك الوقت: إنه عقاب الحرق وسط الناس أجمعين.

لم يكن بوسع لوثر ساعتها إلا الهرب وطلب الحماية من أمير سكسونيا، فريديريك ذه وايز، الذي أظهر استعداده لاحتضانه ومساعدته. وبدأ لوثر – منذ هذه اللحظة – توسيع نطاق معركته من محاربة صكوك الغُفران إلى محاربة سلطة البابا سواء على الكتاب المقدس أو على الحكام المدنيين .

لقد نادى لوثر، من خلال حركته الموسعة، إلى المساواة بين طبقة رجال اللاهوت المسيحي (الإكليروس) وبين المسيحيين العاديين، كما دعا إلى حق الفرد في تفسير الإنجيل، الأمر الذي شجع الفلاحين الألمان على قراءة الإنجيل الذي كشف لهم حقيقة وضعهم، وهي: أنه لا مبرر للضنك الذي يكابدونه منذ عشرات السنين. وبدأت ثورات الفلاحين في الاكتساح، حاملةً معها أقصى أنواع التطرف والانتقام، فكان لذلك مردود سلبي واضح على الحركة البروتستانتية. فقد حرق الفلاحون مئات القرى والأديرة، معتبرين ثورتهم "انتفاضةً باسم الإنجيل" ولم يكن أمام لوثر إلا الخروج من مخبأه – مُضحياً بحياته – لكي يوقف تطرف أتباعه.

توفى سنة 1546 أثناء زيارته لمدينة إيسليبن الألمانية مسقط رأسه.

تهويد الكنيسة

عندما قررت الكنيسة ملاحقة مارتن لوثر وأخرجته من الدين مفسحة المجال لقتله حرقا لجأ مارتن لوثر للعمل السري وعمل على استمالة اليهود الذين كان لبعضهم نفوذ كبير في المجتمع عن طريق التأكيد على أن مذهبه الجديد يعيد الاعتبار لليهود الذين كانوا يعانون من ازدراء الكنيسة الكاثوليكية.

ويقول بعض من أرخوا للبروتستانتية إن لوثر كان حريصا على التصالح مع اليهود لأنه كان يؤمن أن وجودهم ضروري لعودة المسيح المخلص إلى الأرض، لكن دعواته تلك اعتبرت انقلابا على موقف الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تنظر لليهود على أنهم قتلة المسيح عيسى بعدما صلبوه.

ودأبت الكنيسة الكاثوليكية على تحميل اليهود المسؤولية الكاملة عن مقتل المسيح. وكان بعض المسيحيين في أوروبا يحتفلون بمقتل المسيح عن طريق إحياء طقوس عملية الصلب، بل وكان سكان مدينة تولوز الفرنسية يحرصون على إحضار يهودي إلى الكنيسة أثناء الاحتفال ليصفعه أحد النبلاء بشكل علني إحياء لطقس الضرب الذي تعرض له المسيح من قبل اليهود.

كما أن هناك نصا في إنجيل متىّ يُحمّل اليهود مسؤولية مباشرة عن مقتل المسيح ويذكر بالتفصيل كيف غسل بيلاطس الحاكم الروماني للقدس آنذاك يديه بالماء معلنا براءته من دم المسيح الذي كان اليهود على وشك صلبه قبل أن يصيح فيه اليهود قائلين "ليكن دمه علينا وعلى أولادنا".

لكن لوثر قلب المعادلة وسعى لإرضاء اليهود عن مذهبه وفي مساعيه تلك أصدر لوثر كتابه عيسى وُلد يهوديا سنة 1523 وقال فيه إن "اليهود هم أبناء الله وأن المسيحيين هم الغرباء الذين عليهم أن يرضوا بأن يكونوا كالكلاب التي تأكل ما يسقط من فتات من مائدة الأسياد"، ويرى كثيرون إن تلك كانت البداية الحقيقية لتهويد المسيحية، أو ولادة تيار المسيحية اليهودية.

وبلغ تطرفه في طلب ود اليهود ومحاولاته إقناعهم الدخول في مذهبه حدا قال فيه يوما أمام عدد من اليهود الذين كانوا يناقشونه "إن البابوات والقسيسين وعلماء الدين -ذوي القلوب الفظة - تعاملوا مع اليهود بطريقة جعلت كل من يأمل في أن يكون مسيحيا مخلصا يتحول إلى يهودي متطرف وأنا لو كنت يهوديا ورأيت كل هؤلاء الحمقى يقودون ويعلمون المسيحية فسأختار على البديهة أن أكون خنزيرا بدلا من أن أكون مسيحيا".

لكن لوثر وهو ما لا تتعرض له المصادر المسيحية كثيرا تراجع عن قناعاته تلك وتتجاهل حقيقة عودة مارتن لوثر عن الكثير من مواقفه خاصة تلك المتعلقة باليهود.

وقد كتب في آخر أيامه كتاب اليهود وأكاذيبهم أعرب فيه عن خيبة أمله من اليهود وأقر بالفشل في استقطابهم لعقيدته الجديدة. كما أقر في شبه استسلام تلقفه اليهود قبل غيرهم بأن دخول اليهود في الدين المسيحي لن يتم إلا عبر عودتهم لأرض فلسطين وعودة المسيح الذي سيسجدون له ويعلنون دخولهم في الدين المسيحي حتى يعم السلام العالم.

رغم كتابه عن اكاذيب اليهود سار أتباعه على خطاه فقام عدد من رجال الدين البروتستانت مثل القس الإنجليزي جون نلسون داربي بإعادة قراءة العقائد المسيحية المتعلقة باليهود، ومنحهم مكانة متميزة حتى أصبحت الكنيسة البروتستانتية هي حاملة لواء الصهيونية المسيحية أينما حلت، والملفت للنظر إن المسيحية الصهيونية تؤمن أن وجود اليهود ضروري لعودة المسيح لكن فناءهم محقق للتخلص من إرث الدم الذي حملوه بعد قتل المسيح.

وتعرضت الكنيسة البروتستانتية نفسها لانشقاق بسبب اليهود. فبينما أعرب بعض البروتستانت الإنجليز عن اعتقادهم أن اليهود سيعتنقون المسيحية قبل أن تقوم دولتهم في فلسطين، ذهب بعض البروتستانت الأمريكيين إلى أن اليهود لن يدخلوا في المسيحية حتى لو قامت إسرائيل وأن عودة المسيح هي الشرط النهائي لخلاصهم وتوبتهم ودخولهم في الدين الذي جاء فيهم أصلا.

وقد تزعم القس نلسون داربي الفريق الأخير حتى بات ينظر إليه باعتباره الأب الروحي للمسيحية الصهيونية قبل أن يعمل العشرات من القساوسة على نشر نظريته تلك. ونشر وليم باكستون الذي كان من أشد المتحمسين الأميركيين لأطروحة داربي كتاب المسيح آت سنة 1887 وترجم الكتاب إلى عشرات اللغات وركز فيه على حق اليهود التوراتي في فلسطين. وبلاكستون كان وراء جمع 413 توقيعا من شخصيات مرموقة مسيحية ويهودية طالبت بمنح فلسطين لليهود وتم تسليم عريضة التوقيعات للرئيس الأميركي آنذاك بنجامين هاريسون.

أما القس سايروس سكوفيلد فيُعتبر من أشد المسيحيين الصهيونيين تشددا وقام بوضع إنجيل سماه إنجيل سكوفيلد المرجعي نشره سنة 1917 وينظر إليه اليوم على أنه الحجر الأساس في فكر المسيحية الأصولية المعاصرة.

Personal tools