رابعة العدوية

From Zuhlool زهلول - الموسوعة العالمية المجانية

Jump to: navigation, search

فهرست

مولدها ونشأتها

هي رابعة العدوية البصرية بنت إسماعيل مولاة آل عتيك من بني عدوة. وكنيتها أم عمرو

ولدت لأب فقير عابد زاهد له ثلاث بنات، وكان ميلادها بمدينة البصرة فى مطلع القرن الثاني الهجري (حوالي سنة 100 هجرية).

ونقل البعض أن أسمها رابعة جاء بسبب ولادتها بعد ثلاث بنات، لكن آخرون قالوا إن أسم رابعة يمت لدلالات رمزية ترد من الوضوح والتوسط كما في (رابعة النهار)، ومازال أسم (رابعة أو ربيعة) تطلق في العراق على النخلة إذا ارتفعت وطالت ولم تنل ثمارها.

روى أبوها أنه رأى في المنام النبي محمد صلى الله عليه وسلم يقول له "لا تحزن فهذه الوليدة سيدة جليلة" ثم جاء من بعدها الرزق الوافر.

ما لبث أن مات هذا الأب ورابعة لم تزل طفلة دون العاشرة.. ولم تلبث الأم أن لحقت به.. فوجدت الفتيات أنفسهن بلا عائل يُعانين الفقر والجوع والهزال، إذ لم يترك لهن الأب من أسباب العيش سوى قارب ينقل الناس بدراهم معدودة، خرجت رابعة لتعمل مكان أبيها ثم تعود بعد عناء تهون عن نفسها بالغناء وقد كان للعراق في هذا الوقت شهرة في العلم والأدب واللهو والترف والغناء.

رأت رابعة في نومها رؤيا، بدت فيها ونور ساطع يحيط بها فسبحت فيه، وسمعت مناديا يطلب منها ترك اللهو والغناء والانشغال بالتفرغ بالتضرع والمناجاة، واستبدال الألحان بالقرآن، لم تعبأ فيما يبدو لتلك الرؤيا حتى تكررت عليها فانقطعت عن الغناء لكنها استبدلت أشعار اللهو والمجون بأشعار الزهد والصلاح ثم أقبلت على عبادة ربها.

وبدأت رابعة بحفظ القرآن والعبادة والتهجد في هدأة الليل غير أن مجاعة أصابت البصرة واجتاحها الوباء فتشردن "رابعة" وأخواتها ولم يجتمعن بعد هذا أبدا.

سني العبودية

في سني المجاعة انتشر اللصوص وقُطَّاع الطرق في البصرة ونواحيها.. وقد خطف رابعة أحد هؤلاء اللصوص وباعها بستة دراهم في سوق العبيد لتاجر قاس القلب.

يحكى أن ذلك التاجر أثقل على رابعة وأساء معاملتها فصبرت، واحتسبت وازداد تعلقها بربها عز وجل وواصلت خلواتها ومناجاتها، وقد حاول رجل اغتصابها فدافعت عن نفسها حتى كسرت ذراعها، وذهبت تسجد لله شكرًا أن نجاها وتدعوه أن يؤنس وحدتها.

رآها سيدها يوما وهي في خلوتها تتعبد واسترق السمع وهي تدعو أن يخلصها من هذا الرق ورأى حولها نورًا من عمق صلتها بربها فرق قلبه وأعتقها.

يقول فريد الدين العطار كاتب سيرتها " رأى (التاجر) رابعة ساجدة تصلى وتقول: إلهي أنت تعلم أن قلبي يتمنى طاعتك، ونور عيني في خدمتك، ولو كان الأمر بيدي لما انقطعت لحظة عن مناجاتك، ولكنك تركتني تحت رحمة هذا المخلوق القاسي من عبادك. وخلال دعائها وصلاتها شاهد قنديلاً فوق رأسها يحلق، وهو بسلسلة غير معلق، وله ضياء يملأ البيت كله، فلما أبصر هذا النور العجيب فزع، وظل ساهدًا مفكرًا حتى طلع النهار، هنا دعا رابعة وقال: أي رابعة وهبتك الحرية، فإن شئت بقيت ونحن جميعًا في خدمتك، وإن شئت رحلت أنى رغبت، فما كان منها إلا أن ودعته وارتحلت".

اعتزلت رابعة العدوية بعد نيلها حريتها الخلق، وبنت لنفسها مصلى منفردًا، وانقطعت فيه للعبادة، وقصدت المساجد لسماع العلم.

وهكذا تحررت وانطلقت في رحاب العبادة عابدة صالحة لا تبالي على أي حال من الدنيا أمست وأصبحت.

عبادتها زهدها

جعلت المساجد دارها واحترفت العزف على الناي والأناشيد في حلقات الذكر وساحات المتصوفة. يقال أن عمرها آنذاك كان 14 عاما غير أن هذا التقدير يخالف ما قيل عن أنها كانت مغنية أول عهدها.

تقول دائرة المعارف الإسلامية (المجلد التاسع-العدد 11 ص 440) " إن رابعة أقامت أول أمرها بالصحراء بعد تحررها من الأسر، ثم انتقلت إلى البصرة حيث جمعت حولها كثيرًا من المريدين والأصحاب الذين وفدوا عليها لحضور مجلسها، وذكرها لله والاستماع إلى أقوالها، وكان من بينهم مالك بن دينار، والزاهد رباح القيسى، والمحدث سفيان الثورى، والمتصوف شفيق البلخي".

وتضيف دائرة المعارف الإسلامية "رابعة تختلف عن متقدمي الصوفية الذين كانوا مجرد زهاد ونساك، ذلك أنها كانت صوفية بحق، يدفعها حب قوي دفاق، كما كانت في طليعة الصوفية الذين قالوا بالحب الخالص، الحب الذي لا تقيده رغبة سوى حب الله وحده، وكانت طليعتهم أيضا في جعل الحب مصدرا للإلهام والكشف".

روى ابوالحسن علي بن عثمان بن ابي علي جلابي الهجوري في كتابه (كشف المحجوب) قال: "جاء أمير البصرة إلى رابعة يعودها وقد حمل إليها أموالاً كثيرة وسألها أن تستعين بها على حياتها، فبكت ثم رفعت رأسها إلى السماء وقالت: هو يعلم أني استحي منه أن أسأله الدنيا وهو يملكها فكيف آخذها ممن لم يملكها. وحذرت أمير البصرة أن يعود إلى مثلها".

كانت تنام على حصيرة بالية، وكان موضع الوسادة قطعة من الآجر، وكانت تشرب من إناء مكسور، وتطوي ليلها مسهدة، تصلي لله وتناجيه. قالت خادمتها عبدة بنت أبي شوال وكانت قد صحبتها سنين طويلة "ولما حضرت رابعة الوفاة دعتني، فقالت: يا عبدة: لا تؤذني بموتي أحداً، ولفيني في جبتي هذه. قالت فكفنّاها في تلك الجبة (يقال إنها كانت من شعر) وخمار صوف كانت تلبسه".

يقال إن الحسن البصري حاول أن يتزوجها فرفضت.. وقالت انها عابدة لله وحده.. ولاتريد ان يشغلها احد سواه.. وسئلت مرة كيف بلغت ما انت فيه من الزهد والتبتل.. قالت بترك النفس واهمال رغباتها.

مما قيل فيها

قال عنها الإمام الحافظ ابن كثير: أثنى عليها أكثر الناس. وقال أيضاً : وقد ذكروا لها أحوالاً وأعمالاً صالحة، وصيام نهار وقيام ليل، ورؤيت لها منامات صالحة، فالله أعلم.

وتكلم فيها أبو داود السجستاني، واتهمها بالزندقة، فلعله بلغه عنها أمر. وقال الإمام الذهبي في السير :قال أبو سعيد بن الأعرابي : أما رابعة فقد حمل الناس عنها حكمة كثيرة، وحكى عنها سفيان وشعبة وغيرهما ما يدل على بطلان ما قيل عنها.

وقال ابن خلكان في ترجمتها : إنّها كانت من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة.

فقد اختلفت آراء المؤرخين بخصوص حياتها، فظهرت أساطير وحكايات عنها أغلبها من نسج الخيال. طك اختلف في سيرتها شخصيات عايشتها في زمنها مثل: رياح بن عمر القيسي، سفيان الثوري، عبدالواحد بن زيد. ومن المؤرخين الجاحظ و العطار والمناوي.

وقد مدحها كثيرون وقالوا إنها زاهدة عابدة حتى لقبت بشهيدة الحب الإلهي، ووقف آخرون ضد منهجها في العبادة، وقالوا إنها تبالغ في تصوراتها وخيالها؛ لأنها اعتبرت أن تشوقها للجنة إنما يشكل خطيئة تقترفها، كما يروي عنها المناوي.

من أقوالها

جاءها رجل يومًا يطلب منها الدعاء فقالت "من أنا يرحمك الله؟ أطع ربك وادعه فإنه يجيب دعوة المضطر".

وكانت تبكي في سجودها حتى يبتل موضع رأسها.

ويقال عرض عليها الزواج من صاحب غنى وجاه واسع فكتبت له "أما بعد فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، وإن الرغبة فيها تورث الهم والحزن.. فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين والسلام".

وكانت تقول "ما ظهر من أعمالي لا أعدّه شيئا". ومن وصاياها "اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم".

وقيل أيضاً إن سفيان الثوري قال لها ذات يوم "صفي لي درجة ايمانك واعتقادك باللّه جلّ وعلا، فقالت "إنّي لا أعبد اللّه شوقاً إلى الجنة، ولا خوفاً من جهنم، وإنما اعبده لكمال شوقي إليه، و لإداء شرائط العبودية ".

وقال خالد بن خداش "سمعت رابعة صالحاً المريّ يذكر الدنيا في قصصه فنادته : يا صالح، من أحب شيئاً أكثر من ذكره".


ومن أقوالها في الحب الإلهي "إلهي أنارت النجوم، ونامت العيون، وغلَّقت الملوك أبوابها، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك.. إلهي هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري أقبلت منى ليلتي فأهنأ، أم رددتها على فأعزى، فوعزتك هذا دأبي ما أحييتني وأعنتني، وعزتك لو طردتني عن بابك ما برحت عنه لما وقع في قلبي من محبتك".

قال محمد بن الحسين البرجلاني حدثنا بشر بن صالح العتكي قال "استأذن ناس على رابعة ومعهم سفيان الثوري، فتذاكروا عندها ساعة، وذكروا شيئا من الدنيا، فلما قاموا قالت لخادمتها إذا جاء هذا الشيخ وأصحابه، فلا تأذني لهم ، فإني رأيتهم يحبون الدنيا".

وعن ابن أبي الدنيا قال حدثنا محمد بن الحسين، حدثني عبيس بن ميمون العطار ، حدثتني عبدة بنت أبي شوال ، وكانت تخدم رابعة العدوية ، قالت "كانت رابعة تصلي الليل كله، فإذا طلع الفجر، هجعت هجعة حتى يسفر الفجر ، فكنت أسمعها تقول "يا نفس كم تنامين ، وإلى كم تقومين ، يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا ليوم النشور" . وبسبب اجتهادها في العبادة ضعفت فنصحها الناس من حولها أن ترحم نفسها وتخفف عنها لكنخا ظلت على حالها حتى ماتت.

يقال إن لصا دخل بيتها فلم يجد غير إبريق فلما هم بالخروج قالت له رابعة يا هذا إن كنت من الشطار فلا تخرج بغير شيء، فقال : إني لم أجد شيئا. فقالت : يا مسكين توضأ بهذا الإبريق و ادخل في هذا المخدع و صل ركعتين فإنك ما تخرج إلا بشيء ففعل 0 ثم رفعت رابعة طرفها إلى السماء و قالت سيدي و مولاي هذا قد أتى بابي و لم يجد شيئاً عندي و قد أوقفته ببابك فلا تحرمه من فضلك و ثوابك 0 فلما فرغ من صلاته لذت له العبادة و ما برح يصلي حتى أخر الليل 0 فسألته رابعة عند الفجر كيف كانت ليلتك فقال : وقفت بين يدي مولاي بذلي و افتقاري فقبل عذري و جبر كسري و غفر لي الذنوب و بلغني المطلوب ثم خرج فرفعت رابعة كفها إلى السماء و قالت : سيدي و مولاي هذا وقف ببابك ساعة فقبلته و أنا مذ عرفتك بين يديك أتراك قبلتني فنوديت في سرها يا رابعة من أجلك قبلناه و بسببك قربناه.

من أشعارها

أورد لها الشيخ شهاب الدين السهروردي في كتاب عوارف المعارف قولها:

إنّي جَعلتكَ في الفؤاد محدّثي وأبحتُ جسمي مَنْ أراد جلوسي
فالجسمُ مني للجليس مؤانس وحبيبُ قلبـي فـي الفؤاد أنيس

غير أن البعض شكك في نسبة البيتين لها وقال إن ما قال بهما حلولي إباحي نسبهما لها ليبرر افعال الحلوليين، والإباحيين.

ومن شعرها المنقول:

راحتي يا إخوتي في خلوتي وحبيبي دائماً في حضرتي
لم أجد لي عن هواه عوضا وهواه في البرايا محنتي
حيثما كنت أشاهد حسنه فهو محرابي، إليه قبلتي
إن أمت وجداً وما ثم رضا وا عنائي في الورى! وا شقوتي

ومن أشعارها في الحب الإلهي

فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب

ومن شعرها قولها:

تعصي الاله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيعٌ

وفاتها

خرجت رابعة العدوية من الحياة بعد أن بلغت الثمانين من عمرها، وكانت وفاتها في سنة( 135هـ -751م)، ذكره ابن الجوزي في شذور العقود، وهو غير دقيق، وقال غيره سنة ثمانين ومائة أو حتى سنة ( 185هـ- 801م) وهو الأرجح.

ويقال إن قبرها على جبل الطور في مدينة القدس المحتلة، وكانت ترى أنه لا راحة للمؤمن إلا بعد الموت على الإيمان.

Personal tools