التطهير العرقي في فلسطين

From Zuhlool زهلول - الموسوعة العالمية المجانية

Jump to: navigation, search

كتاب للمؤلف الإسرائيلي ايلان بابه، وهو أحد المؤرخين الجدد في إسرائيل، يكشف المسكوت عنه حول دور التطهير العرقي في حرب إنشاء الكيان الإسرائيلي التي سميت حرب الاستقلال فيما سماها العرب نكبة فلسطين.

يدحض المؤلف في كتابه الأفكار الرائجة عن ان نزوح الفلسطينيين من أرضهم يعود الى اختيار طوعي أو الى وعود الجيوش العربية بأن النازحين سيعودون فور أن تكمل تلك الجيوش عملياتها ضد العصابات الصهيونية.

يشير المؤلف إلى أن ما جرى في عام 1948 في فلسطين معقد وبسيط في آن ويمكن تجاوز التعقيد الذي نشرته أجهزة إعلام وإشاعات، إلى الحقيقة القائلة إن ما حدث بسيط ومرعب، إذ تم تطهير مساحات كبرى من فلسطين من سكانها الأصليين، ما يعتبر جريمة ضد الإنسانية أرادت اسرائيل إنكارها ودفع العالم الى نسيانها. والكتاب هو محاولة لاسترداد جرائم اسرائيلية مشينة، من النسيان.

صدرت الطبعة العربية من الكتاب في أيار/مايو 2007 عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية وقد ترجمه أحمد خليفة.

نشرت صحيفة الحياة اللندنية 8 أجزاء من ترجمة الكتاب قبل صدوره وذلك في نيسان/إبريل 2007، وفيما يلي مقتبسات مما نشرته الصحيفة، مع بعض التصرف.

فهرست

الجزء الأول

«نحن لم نبك/ ساعة الوداع!/ فلدينا/ لم يكن وقت/ ولا دمع/ ولم يكن وداع!

نحن لم ندرك/ لحظة الوداع/ أنه الوداع/ فأنّى لنا البكاء؟!

(1988) (لاجئ من قرية صفورية)

«أؤيد الترحيل القسري، ولا أرى فيه شيئاً غير أخلاقي".

(ديفيد بن غوريون مخاطبا اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية في حزيران/يونيو 1938)

«البيت الأحمر» كان من أفضل نماذج البناء في تل أبيب في أعوامها الأولى. كان مصدر فخر للبنائين والحرفيين الذين عملوا في بنائه في العشرينيات من القرن الماضي، وقد جرى تصميمه ليكون المقر الرئيس لمجلس العمال المحليين. وظل هكذا إلى أن أصبح في أواخر سنة 1947 مقر قيادة الهاغاناه، الميليشيا الصهيونية الرئيسية في فلسطين. كان على مسافة قريبة من البحر في شارع اليركون، في الجزء الشمالي من تل أبيب، وشكل إضافة بديعة إلى المدينة العبرية الأولى، المنشأة على ساحل البحر الأبيض المتوسط؛ المدينة البيضاء، كما كانت الطبقة المثقفة والنخبة المتعلمة من سكانها تسميانها تحببا. ذلك بأن بياض مبانيها النقي في تلك الأيام، خلافا لحالها اليوم، كان يكسب المدينة بأسرها ذاك الألق الساحر الذي اتسمت به مدن موانئ البحر الأبيض المتوسط في تلك الحقبة، وفي بعض الأماكن الجغرافية.

كانت متعة للنظر، وقد امتزجت بانسجام في مبانيها الأساليب المعمارية الفلسطينية المحلية بأساليب الـ bauhaus (طراز بناء ألماني – المترجم) في خليط أُطلقت عليه تسمية Levantine، بمعنى يخلو تقريبا من الإيحاءات السلبية لهذا المصطلح. لقد كان «البيت الأحمر» على شكل مستطيل بسيط، ازدانت واجهته الأمامية بأقواس شكلت إطاراً للمدخل، وسندت شرفات الطبقتين العلويين. أما صفة «الأحمر» فقد كانت مستوحاة إما من ارتباطه بالحركة العمالية، وإما من الصبغة الحمراء الوردية التي كانت تلونه وقت غروب الشمس والتفسير الأول أكثر ملاءمة. وقد تواصل اقتران المبنى بالنسخة الصهيونية من الاشتراكية عندما أصبح، في السبعينات من القرن الماضي، المقر الرئيس للحركة الكيبوتسية. إن بيوتاً مثله، هي بقايا تاريخية مهمة من مخلفات فترة الانتداب، جعلت اليونسكو في سنة 2003 تصنف تل أبيب موقعا تراثيا عالميا.

هذا المبنى لم يعد موجوداً الآن، إذ راح ضحية التطوير، الذي هدم هذا الأثر المعماري ليحول المكان إلى موقف للسيارات مجاور لفندق شيراتون الجديد. كما لم يبق في الشارع الذي كان قائما فيه أي أثر للمدينة البيضاء التي تحولت بالتدريج إلى الحاضرة المترامية الأطراف الملوثة الهواء النابضة بالحياة أي تل أبيب الحديثة.

في هذا المبنى، عصر يوم أربعاء بارد، في 10 آذار/مارس 1948، وضعت مجموعة من أحد عشر رجلا، مكونة من قادة صهيونيين قدامى وضابطين عسكريين شابين، اللمسات الأخيرة على خطة لتطهير فلسطين عرقيا. وفي مساء اليوم نفسه، أُرسلت الأوامر إلى الوحدات على الأرض بالاستعداد للقيام بطرد منهجي للفلسطينيين من مناطق واسعة في البلد. وأُرفقت الأوامر بوصف مفصل للأساليب الممكن استخدامها لإخلاء الناس بالقوة: إثارة رعب واسع النطاق؛ محاصرة وقصف قرى ومراكز سكانية؛ حرق منازل وأملاك وبضائع؛ طرد؛ هدم (بيوت ومنشآت)؛ وأخيرا، زرع ألغام وسط الأنقاض لمنع السكان المطرودين من العودة إلى منازلهم. وتم تزويد كل وحدة بقائمة تتضمن أسماء القرى والأحياء المحدَّدة كأهداف لها في الخطة الكبرى المرسومة. وكانت هذه الخطة، التي كان اسمها الرمزي الخطة دالِتْ [الحرف «د» بالعبرية]، هي النسخة الرابعة والنهائية عن خطط أقل جذرية وتفصيلا عكست المصير الذي كان الصهيونيون يعدونه لفلسطين، وبالتالي لسكانها الأصليين. وقد كانت الخطط الثلاث السابقة تعكس في شكل مبهم تفكير القيادة الصهيونية بالنسبة إلى كيفية التعامل مع تلك الأعداد الكبيرة من الفلسطينيين القاطنة في الأرض التي كانت الحركة القومية اليهودية تشتهيها لنفسها. أما هذه النسخة الرابعة والأخيرة، فقد بينت ذلك بوضوح، وعلى نحو غير قابل للتأويل: الفلسطينيون يجب أن يَرْحلوا. وبحسب تعبير سمحا فلابان (Simcha Flapan)، من أوائل المؤرخين الذين أشاروا إلى أهمية هذه الخطة ومغزاها، فإن "الحملة العسكرية ضد العرب، بما في ذلك غزو المناطق الريفية وتدميرها، رُسمت معالمها في خطة دالِتْ التي أعدتها الهاغاناه" وكان هدف الخطة، في الواقع، تدمير المناطق الفلسطينية الريفية والحضرية على السواء.

هذه الخطة، كما سنحاول أن نوضح في الكتاب، كانت النتيجة الحتمية للنزعة الأيديولوجية الصهيونية التي تطلعت إلى أن تكون فلسطين لليهود حصرا، كما أنها كانت استجابة للتطورات على الأرض في إثر قرار الحكومة البريطانية بإنهاء الانتداب. وأتت الاشتباكات المسلحة مع الميليشيات الفلسطينية المحلية لتوفر السياق والذريعة المثالية من أجل تجسيد الرؤيا الأيديولوجية التي تطلعت إلى فلسطين نقية عرقيا. وكانت السياسة الصهيونية في البداية قائمة على ردات فعل انتقامية على الهجمات الفلسطينية في شباط/فبراير 1948، لكنها ما لبثت أن تحولت في آذار/مارس 1948 إلى مبادرة لتطهير عرقي للبلد بأكمله.

بعد أن اتخذ القرار استغرق تنفيذ المهمة ستة أشهر. ومع اكتمال التنفيذ، كان أكثر من نصف سكان فلسطين الأصليين، أي ما يقارب 800,000 نسمة، قد اقتُلعوا من أماكن عيشهم، و531 قرية دمرت، و11 حياً مدينياً أُخلي من سكانه. إن هذه الخطة التي تقرر تطبيقها في 10 آذار/مارس 1948، والأهم من ذلك تنفيذها بطريقة منهجية في الأشهر التالية، تشكل مثالاً واضحاً جداً لعملية تطهير عرقي وتعتبر اليوم في نظر القانون الدولي جريمة ضد الإنسانية.

أصبح من المستحيل تقريباً، بعد الهولوكوست إخفاء جرائم شنيعة ضد الإنسانية. والآن في عالمنا المعاصرالذي يشهد ثورة في مجال الاتصالات، وخصوصاً مع تكاثر وسائط الإعلام الإلكترونية وانتشارها، لم يعد في الإمكان إنكار كوارث من صنع البشر، أو إخفاؤها عن أعين الرأي العام. ومع ذلك، فإن هناك جريمة كهذه جرى محوها كلياً تقريباً من الذاكرة العامة العالمية، وهي جريمة طرد الفلسطينيين من وطنهم في سنة 1948. إن هذا الحدث المصيري، الأكثر أهمية في تاريخ فلسطين الحديث جرى إنكاره بصورة منهجية منذ وقوعه، ولا يزال حتى الآن غير معترف به كحقيقة تاريخية، ناهيك عن الاعتراف به كجريمة يجب مواجهتها سياسيا وأخلاقيا.

التطهير العرقي جريمة ضد الإنسانية، والذين يقدمون عليه اليوم يُعتبرون مجرمين يجب محاكمتهم أمام هيئات قضائية خاصة. وقد يكون من الصعب التقرير بشأن المرجعية أو كيفية التعامل، في النطاق القانوني، مع الذين خططوا والذين نفذوا التطهير العرقي فلسطين في سنة 1948 لكن من الممكن استحضار جرائمهم والتوصل إلى رواية تاريخية أكثر دقة من أية رواية وضعت حتى الآن، وإلى موقف أخلاقي أكثر نزاهة.

نعرف أسماء الأشخاص الذين جلسوا في تلك الغرفة في الطبقة العلوية في «البيت الأحمر»، تحت ملصقات ماركسية الإيحاء كتبت عليها شعارات مثل "إخوة في السلاح" و "القبضة الفولاذية"، ورسوم تمثل اليهود "الجدد" - أصحاء، مفتولي العضلات، وقد لوّحتهم الشمس- يصوّبون بنادقهم من وراء سواتر واقية في "الحرب الشجاعة» "ضد "الغزاة العرب المعتدين". كما أننا نعرف أسماء الضباط الكبار الذين نفذوا الأوامر على الأرض، وجميعهم شخصيات معروفة في هيكل عظماء البطولة الإسرائيلية. وكثيرون منهم كانوا إلى فترة غير بعيدة أحياء يرزقون، ويؤدون أدوارا رئيسة في السياسة والمجتمع الإسرائيليين أما الآن، فإن قلة منهم لا تزال على قيد الحياة.

أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، وكل من رفض أن يبتلع الرواية الصهيونية، فقد كان واضحا لديهم منذ زمن بعيد، سابق لتأليف هذا الكتاب ان هؤلاء الأشخاص ارتكبوا جرائم وأنهم نجحوا في التهرب من العدالة وان من الأرجح ألا تجري محاكمتهم على ما اقترفت أيديهم. وبالإضافة إلى هول الاقتلاع، فإن أشد ما يبعث الإحباط في نفوس الفلسطينيين هو أن الجريمة التي ارتكبها أولئك المسؤولون يستمر إنكارها تماماً، كما يستمر تجاهل معاناة الفلسطينيين منذ سنة 1948.

منذ ثلاثين عاما تقريبا بدأ ضحايا التطهير العرقي إعادة تجميع مكونات الصورة التاريخية التي بذلت الرواية الإسرائيلية الرسمية لأحداث سنة 1948 كل ما في وسعها لإخفائها وتشويهها. لقد تحدثت القصة الإسرائيلية التاريخية التي جرى تلفيقها عن "انتقال طوعي" جماعي أقدم عليه مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين قرروا أن يهجروا بيوتهم وقراهم موقتاً من أجل أن يفسحوا الطريق أمام الجيوش العربية الآتية لتدمير الدولة اليهودية الوليدة. غير أن المؤرخين الفلسطينيين، وفي طليعتهم وليد الخالدي استطاعوا في السبعينات من القرن الماضي من خلال جمع مذكرات ووثائق أصلية تتعلق بما جرى لشعبهم أن يستعيدوا جزءاً كبيرا من الصورة التي حاولت إسرائيل محوها. لكن سرعان ما عتّم على الحقائق المستعادة مؤلفات مثل كتاب "نشوء 1948" (Genesis 1948) لمؤلفه دان كورتسمان Dan Kurtzman والذي نشر في سنة 1970، وأعيد نشره في سنة 1992 (هذه المرة مع مقدمة بقلم أحد منفذي التطهير العرقي في فلسطين، اسحاق رابين، الذي كان حين كتابة المقدمة رئيسا للحكومة). إنما لم يخل الأمر من قلة ساندت المجهود الفلسطيني، مثل مايكل بالومبو Michael Palumbo، الذي أيد كتابه: النكبة الفلسطينية The Palestinian Catastrophe، الذي نشر في سنة 1987، صحة الرواية الفلسطينية لأحداث 1948، استنادا إلى وثائق الأمم المتحدة ومقابلات مع لاجئين ومعنيين فلسطينيين، كانت ذكرياتهم عما جرى لهم خلال النكبة ما زالت حية في وجدانهم.

كان في الإمكان تحقيق اختراق سياسي في المعركة بشأن الذاكرة في فلسطين عندما ظهر في ثمانينات القرن الماضي ما يسمى في إسرائيل التاريخ الجديد وكانت تلك محاولة قامت بها مجموعة صغيرة من المؤرخين الإسرائيليين لمراجعة الرواية الصهيونية عن حرب 1948. وكنت واحدا منهم. لكننا أعني المؤرخين الجدد لم نساهم مساهمة فعالة في النضال ضد إنكار النكبة لأننا تفادينا الخوض في مسألة التطهير العرقي وركزنا على التفصيلات، كما يفعل عادة المؤرخون الدبلوماسيون. مع ذلك، نجح المؤرخون الإسرائيليون التصحيحيون، باستخدام الأرشيفات العسكرية الإسرائيلية أساساً، في إظهار سخف وكذب الادعاء الإسرائيلي أن الفلسطينيين غادروا البلد "بمحض إرادتهم". واستطاع هؤلاء المؤرخون أن يوثقوا حالات كثيرة لطرد جماعي من القرى والمدن، وأن يبينوا أن القوات المسلحة اليهودية ارتكبت عدداً كبيراً من الأعمال الوحشية، بما في ذلك مجازر شنيعة.

ومن الأشخاص المعروفين جيداً، ممن كتبوا عن الموضوع، المؤرخ الإسرائيلي بني موريس Benny Morris ولأنه اعتمد حصرا على وثائق في الأرشيفات العسكرية الإسرائيلية، فإنه خلص إلى رسم صورة جزئية فقط لما جرى في الواقع، ومع ذلك كانت كافية بالنسبة إلى عدد من قرائه الإسرائيليين كي يدركوا أن "الهروب الطوعي" للفلسطينيين مجرد خرافة، وأن الصورة التي رسمها الإسرائيليون لأنفسهم، بأنهم خاضوا حربا "أخلاقية" في سنة 1948 ضد عالم عربي "بدائي" عدائي، مجافية للحقيقة إلى حد كبير، بل من المحتمل أن تكون فقدت صدقيتها.

كانت الصورة التي رسمها موريس جزئية لأنه صدّق من دون تمحيص ما ورد في التقارير العسكرية الإسرائيلية التي وجدها في الأرشيفات، بل اعتبره الحقيقة المطلقة. وقاده ذلك إلى تجاهل أعمال وحشية ارتكبها اليهود، مثل تلويث القناة التي تصل المياه عبرها إلى عكا بجراثيم التيفوئيد، وحالات الاغتصاب المتعددة، وعشرات المذابح. كما أنه بقي مصرا، على رغم عدم صحة ذلك، على أنه لم يحدث قبل 15 أيار/مايو 1948 إخلاء للسكان بالقوة، بينما تظهر المصادر الفلسطينية بوضوح أن القوات الإسرائيلية كانت نجحت قبل أشهر من دخول القوات العربية فلسطين في طرد ما يقارب ربع مليون فلسطيني بالقوة، في وقت كان البريطانيون ما زالوا مسؤولين عن حفظ الأمن والنظام في البلد، وتحديداً قبل 15 أيار/مايو 1948. ولو كان موريس وغيره استخدموا مصادر عربية، أو التفتوا إلى التاريخ الشفوي، لكانوا استطاعوا - ربما - أن ينفذوا على نحو أفضل إلى التخطيط المنهجي وراء طرد الفلسطينيين في سنة 1948، وأن يقدموا وصفا أكثر صدقاً لفداحة الجرائم التي ارتكبها الجنود الإسرائيليون.

كان هناك حين ظهور المؤرخين الجدد، ولا يزال، حاجة تاريخية وسياسية إلى المضي إلى ما هو أبعد من مجرد السرد المقصور على الوصف الذي نجده في مؤلفات موريس وغيره، لا من أجل استكمال الصورة (أو بالأحرى جلاء نصفها الآخر) فحسب، بل أيضاً- وهذا هو الأهم - لأننا نفتقر إلى طريقة أُخرى لفهم جذور الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي الراهن. وفوق ذلك كله، طبعاً، هناك الواجب الأخلاقي الذي يحتم الاستمرار في النضال ضد إنكار وقوع الجريمة. إن السعي للمضي إلى ما هو أبعد من ذلك بدأه فعلاً آخرون. وأهم عمل صدر في هذا المجال هو كتاب وليد الخالدي الفذّ All That Remains (تُرجم إلى العربية تحت عنوان: «كي لا ننسى» - المترجم)، ولا عجب في أن يكون هذا العمل هو الأهم إذا أخذنا في الاعتبار مساهمات الخالدي القيمة في النضال ضد الإنكار الصهيوني. إنه توثيق علمي لتاريخ القرى (الفلسطينية - المترجم) المدمَّرة (وما جرى لها في سنة 1948 - المترجم)، وسيبقى دليلاً لكل من يرغب في معرفة فداحة نكبة 1948.

قد يظن المرء أن ما تم الكشف عنه من حقائق تاريخية كاف لإثارة أسئلة مقلقة. لكن الحقيقة هي أن رواية "التاريخ الجديد" والمساهمات التاريخية الفلسطينية الحديثة فشلت في النفاذ إلى مملكة الضمير الأخلاقي، وفي دفع أصحاب الضمير الحي إلى القيام بما يتوجب عليهم فعله. وما أسعى إليه في هذا الكتاب هو تفحص آلية التطهير العرقي الذي حدث في سنة 1948، ومنظومة المعرفة التي سمحت للعالم بأن ينسى الجريمة التي اقترفتها الحركة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني في سنة 1948، ومكنت مرتكبيها من إنكارها.

بكلمات أُخرى: أريد أن أدافع عن نموذج التطهير العرق Paradigm of ethnic cleansing وأن أستعمله بدلاً من نموذج الحرب paradigm of war كأساس وموجه للبحث العلمي والنقاش العام في شأن أحداث 1948. ولا شك لديّ في أن غياب نموذج التطهير العرقي (كأداة للبحث - المترجم) يفسر جزئياً لماذا أمكن أن يستمر إنكار النكبة طوال هذه الفترة المديدة من الزمن. فعندما أنشأت الحركة الصهيونية دولتها القومية لم تخض حرباً نجم عنها "بصورة مأسوية، لكن لم يكن هناك مفر من ذلك"، طرد "أجزاء" من السكان الفلسطينيين، بل بالعكس: كان الهدف الرئيسي للحركة تطهير فلسطين بأسرها تطهيراً عرقياً شاملاً، باعتبارها البلد الذي أرادت أن تقيم دولتها فيه. وقد أرسلت الدول المجاورة جيشاً صغيراً - بالمقارنة مع قوتها العسكرية الإجمالية - في محاولة فاشلة لمنع التطهير العرقي، لكن ذلك حدث بعد أسابيع من بدء التطهير العرقي، ولم يؤد إلى وقف العمليات التي كانت جارية، والتي استمرت إلى أن أُكملت بنجاح في خريف سنة 1948.

هذه المقاربة - اعتماد نموذج التطهير العرقي أساساً مسلَّماً به لرواية أحداث 1948 - قد تبدو للبعض، من أول نظرة، بمثابة اتهام. وهي فعلاً كذلك، من نواح عديدة. إنني شخصياً أتهم السياسيين الذين خططوا، والجنرالات الذين نفذوا الخطة، بارتكاب جريمة تطهير عرقي. ومع ذلك، فإنني عندما أذكر أسماءهم لا أفعل ذلك لأنني أريد رؤيتهم يحاكمون بعد وفاتهم، وإنما كي أستحضر مرتكبي الجرائم والضحايا بصفتهم بشراً، وكي أحول دون إرجاع الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل إلى عوامل زئبقية مثل "الظروف"، "الجيش"، أو كما يقول موريس "في الحرب تجري الأمور كما في الحرب" La guerre comme la guerre، وما شابه ذلك من تعابير غامضة تسمح للدول ذات السيادة بالإفلات من تبعات ما ترتكبه من جرائم، وللأفراد بالإفلات من قبضة العدالة.

إني أتهم، لكني أيضا جزء من المجتمع المدان في هذا الكتاب. وأشعر بأنني جزء من الحكاية، وأيضا أتحمل مسؤولية عما جرى. وأنا، مثل كثيرين في المجتمع الذي أنتمي إليه، مقتنع - كما سيتضح في الصفحات الأخيرة من الكتاب - بأن مثل هذه الرحلة الضرورية إلى الماضي هو الوسيلة للتقدم إلى الأمام إذا أردنا أن نصل إلى مستقبل أفضل لنا جميعا، فلسطينيين وإسرائيليين على السواء. وهذا هو، في الجوهر، القصد من وراء هذا الكتاب.

إن أحداً لم يجرب، على حد علمي، هذه المقاربة من قبل. فالروايتان التاريخيتان الرسميتان المتنافستان في بشأن ما حدث في فلسطين سنة 1948، تتجاهلان مفهوم التطهير العرقي. وبينما تدعي الرواية الصهيونية - الإسرائيلية أن السكان المحليين غادروا البلد "طوعا"، يتحدث الفلسطينيون عن "النكبة" التي حلت بهم؛ وهذا أيضاً تعبير مراوغ كونه يحيل إلى الكارثة نفسها أكثر مما يحيل إلى من أوقعها، ولماذا فعل ذلك. لقد جرى تبني مصطلح "النكبة"، لأسباب مفهومة، كمحاولة لمواجهة الثقل المعنوي للهولوكست اليهودية. لكن تجاهل من أوقعها قد يكون ساهم، إلى حد ما، في استمرار العالم في إنكار أن ما جرى في فلسطين سنة 1948، وبعد ذلك، كان تطهيراً عرقياً.

التعريف العام لمكوّنات التطهير العرقي ينطبق حرفياً، تقريباً، على حالة فلسطين. وقصة ما جرى في سنة 1948، بحد ذاتها، ليست معقدة. لكن هذا لا يجعلها تبدو، تبعاً لذلك، فصلاً مبسَّطاً، أو هامشياً، في تاريخ طرد الفلسطينيين من وطنهم. وفي الحقيقة، فإن اعتماد موشور التطهير العرقي يمكّن المرء بسهولة من اختراق عباءة التعقيدات التي يلفّع الدبلوماسيون الإسرائيليون الحقائق بها بصورة شبه غريزية، والتي يختبئ الأكاديميون الإسرائيليون تحتها، عندما يتصدون للمحاولات الخارجية لانتقاد الصهيونية، أو الدولة اليهودية بسبب سياساتها أو سلوكها. يقولون في بلدي: "الأجانب لا يفهمون، ولا يستطيعون أن يفهموا، هذه الحكاية المعقدة"، وبالتالي لا حاجة حتى إلى شرحها لهم. ويجب ألاّ نسمح لهم بالتدخل في محاولات حل النزاع، إلاّ إذا قبلوا وجهة النظر الإسرائيلية. وقصارى ما يمكن للعالم فعله، حسب ما دأبت الحكومة الإسرائيلية على القول دائماً، هو أن يُسمح "لنا"، نحن الإسرائيليين، بصفتنا ممثلين للطرف "المتحضر" و "العقلاني" في النزاع، بإيجاد حل عادل لـ "أنفسنا" وللطرف الآخر، الفلسطينيين، الذين هم في النهاية صورة مصغرة للعالم العربي "غير المتحضر" و "الانفعالي" الذي ينتمون إليه. ومنذ أن أبدت الولايات المتحدة استعدادها لتبني هذه المقاربة المشوهة والقبول بالغطرسة الكامنة وراءها، حصلنا على "عملية سلام" لم تؤد، بل لم يكن من الممكن أن تؤدي، إلى أي نتيجة، لأنها تتجاهل تماماً لب المشكلة.

لكن قصة 1948 ليست، طبعاً، معقدة على الإطلاق، وبالتالي فإن هذا الكتاب يتوجه إلى القادمين الجدد إلى هذا الحقل، وفي الوقت نفسه إلى أولئك الذين كانوا، لأعوام كثيرة، ولأسباب متعددة، معنيين بالمسألة الفلسطينية، ويفتشون عن طريق للاقتراب من إيجاد حل لها. إنها القصة البسيطة والمرعبة لتطهير فلسطين من سكانها الأصليين، وهي جريمة ضد الإنسانية أرادت إسرائيل إنكارها وجعل العالم ينساها. إن استردادها من النسيان واجب علينا، ليس فقط من أجل كتابة تاريخ صحيح كان يجب أن يُكتب منذ فترة طويلة، أو بدافع من واجب مهني؛ إن ذلك، كما أراه، قرار أخلاقي، وبالذات الخطوة الأولى التي يجب أن نخطوها إذا أردنا أن نعطي المصالحة فرصة، وأن نتيح للسلام أن يحل ويتجذر في فلسطين وإسرائيل.

تعريفات

وأصبح التطهير العرقي حالياً مفهوماً معرَّفاً جيداً. فمن فكرة تجريدية مرتبطة حصراً، إلى حد كبير، بالأحداث فيما كان يسمى سابقاً يوغوسلافيا، صار الآن يُعرَّف أنه جريمة ضد الإنسانية يعاقب عليها القانون الدولي. وقد ذكّر أسلوب استخدام بعض الجنرالات والساسة الصرب لتعبير "التطهير العرقي" العلماء المختصين بأنهم سمعوا هذا التعبير من قبل، إذ استخدمه النازيون وحلفاؤهم في يوغسلافيا، كالميليشيات الكرواتية في الحرب العالمية الثانية. لكن جذور الطرد الجماعي، طبعاً، ضاربة في القدم. فقد استخدم الغزاة الأجانب التعبير (أو مفردات مرادفة له)، وطبقوا مضمونه بمنهجية ضد السكان الأصليين، منذ زمن التوراة حتى زمن أوج الاستعمار.

تعرّف موسوعة هاتشينسون Hutchinson «التطهير العرقي» بأنه طرد بالقوة من أجل إيجاد تجانس عرقي في إقليم أو أرض يقطن فيها سكان من أعراق متعددة. وهدف الطرد هو ترحيل أكبر عدد ممكن من السكان، بكل الوسائل المتاحة لمرتكب الترحيل، بما في ذلك وسائل غير عنيفة، كما حدث بالنسبة إلى المسلمين في كرواتيا، الذين طردوا بعد اتفاقية ديتون في تشرين الثاني/نوفمبر 1995.

ويحظى هذا التعريف أيضاً بقبول وزارة الخارجية الأميركية، ويضيف خبراؤها أن جزءاً من جوهر التطهير العرقي هو اقتلاع تاريخ الإقليم المعني بكل الوسائل الممكنة. والطريقة الأكثر استخداماً هي إخلاء الإقليم من السكان في سياق "أجواء تضفي شرعية على أعمال المعاقبة والانتقام". وتكون النتيجة النهائية لمثل هذا العمل خلق مشكلة لاجئين. وقد تفحصت وزارة الخارجية الأميركية بصورة خاصة ما حدث في أيار/مايو 1999 في مدينة بيك في كوسوفو الغربية. فقد تم إخلاء هذه المدينة في غضون 24 ساعة، وهذا ما لم يكن ممكنا إنجازه إلاّ من خلال تخطيط مسبق أعقبه تنفيذ منهجي. وقد حدثت أيضاً مجازر متفرقة من أجل تسريع العملية. وما حدث في بيك في سنة 1999 حدث بالطريقة نفسها تقريباً في مئات من القرى الفلسطينية في سنة 1948.

الجزء الثاني

المؤرخ الشاب، المتخرج في الجامعة العبرية، بن تسيون لوريا، كان موظفاً في الدائرة التعليمية التابعة للوكالة اليهودية، وقد أشار إلى أنه سيكون من المفيد جداً إعداد سجل مفصل للقرى العربية، واقترح أن يقوم الصندوق القومي اليهودي بإعداد السجل. "هذا سيساعد جداً في تحرير البلد"، كتب في رسالة إلى الصندوق. وكان موفقاً في اختياره الصندوق للقيام بالمهمة، إذ إن مبادرته إلى إشراك الصندوق القومي اليهودي في التطهير العرقي المتوخى أدت إلى ضخ مزيد من الزخم والحماسة في العمل على خطط الطرد التي تم وضعها لاحقاً.

كانت المهمة الرئيسية رسم خرائط القرى، لذا تم تجنيد خبير طوبوغرافي من الجامعة العبرية، كان يعمل في دائرة رسم الخرائط الانتدابية، للعمل في المشروع. واقترح هذا الخبير القيام بمسح فوتوغرافي جوي للقرى، وأطلع باعتزاز بن- غوريون على خريطتين جويتين لقريتي السنديانة وصبارين (الخريطتان موجودتان حالياً في أرشيف دولة إسرائيل، وهما كل ما تبقى من هاتين القريتين بعد سنة 1948).

ومن ثم دعي أفضل المصورين المحترفين في البلد للانضمام إلى المبادرة. كما تم تجنيد يتسحاق شيفر من تل أبيب، ومارغو ساديه، زوجة يتسحاق ساديه، قائد البالماح (وحدات الكوماندو التابعة للهاغاناه). وأُخفي مختبر تحميض الأفلام في منزل مارغو خلف واجهة شركة لري المزروعات، إذ كان لا بد من إخفائه عن السلطات البريطانية التي كان من الممكن أن تعتبره مجهوداً استخباراتياً غير شرعي موجهاً ضدها. ومع أن البريطانيين كانوا على علم مسبق به، إلا إنهم لم ينجحوا قط في اكتشاف المخبأ السري. وفي سنة 1947، نُقلت دائرة رسم الخرائط بكاملها إلى "البيت الأحمر".

كانت المحصلة النهائية لجهود الطوبوغرافيين والمستشرقين ملفات لكل قرية من قرى فلسطين، عمل الخبراء الصهيونيون على استكمالها بالتدريج، بحيث أصبح الأرشيف مكتملاً تقريباً في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي. وتضمن ملف كل قرية تفصيلات دقيقة عن موقعها الطوبوغرافي، وطرق الوصول إليها، ونوعية أراضيها، وينابيع المياه، ومصادر الدخل الرئيسية، وتركيبتها الاجتماعية - الاقتصادية، والانتماءات الدينية للسكان، وأسماء المخاتير، والعلاقات بالقرى الأُخرى، وأعمار الرجال (من سن 16 إلى سن الخمسين)، ومعلومات كثيرة أُخرى. ومن فئات المعلومات المهمة كان هناك مؤشر يحدد درجة "العداء" (للمشروع الصهيوني)، بناء على مدى مشاركة القرية في ثورة 1936. وكانت هناك قائمة بأسماء الذين شاركوا في الثورة، والعائلات التي فقدت أشخاصاً في القتال ضد البريطانيين. وأُعطي الأشخاص الذين زُعم أنهم قتلوا يهوداً اهتماماً خاصاً. هذه الأجزاء الأخيرة من المعلومات نجم عنها في سنة 1948 أشد الأعمال وحشية في القرى، وقادت إلى إعدامات جماعية وتعذيب للضحايا.

أدرك الأعضاء النظاميون في الهاغاناه، الذين كُلّفوا جمع المعلومات من خلال رحلات "استطلاعية" إلى القرى، منذ البداية، أن المهمة لم تكن تمريناً أكاديمياً في الجغرافيا. وكان واحداً من هؤلاء موشيه باسترناك، الذي شارك في إحدى رحلات الاستطلاع وجمع المعلومات المبكرة في سنة 1940، وروى بعد أعوام:

"كان علينا أن ندرس البنية الأساسية للقرية العربية. ويعني ذلك البنية وما هي أفضل طريقة لمهاجمتها. في الكليات الحربية علمونا كيف نهاجم مدينة أوروبية حديثة، وليس قرية بدائية في الشرق الأدنى. لا نستطيع أن نقارنها (القرية العربية) بقرية بولندية أو نمسوية. القرية العربية، خلافاً للقرى الأوروبية، كانت مبنية طوبوغرافياً على هضاب. وذلك يعني أنه كان يتعين علينا أن نجد الوسيلة الأفضل للاقتراب من القرية من الأعلى، أو دخولها من الأسفل. وكان علينا أن ندرب "عربنا" (المستشرقين الذين كانوا يشغّلون شبكة من المتعاونين) على الطريقة الأفضل للتعامل مع المخبرين".

ويتذكر باسترناك أنه في سنة 1943 كان هناك إحساس متنام بأنه أصبحت لديهم أخيراً شبكة من المخبرين تستحق التسمية. ويرجع الفضل في ذلك، بصورة رئيسية، إلى شخص واحد هو عزرا دانين، الذي سيقوم بدور قيادي في التطهير العرقي في فلسطين.

كان تجنيد عزرا دانين، الذي أُخذ من عمل ناجح في مجال زراعة الحمضيات، هو ما نقل العمل الاستخباراتي وتنظيم ملفات القرى إلى مستوى جديد من حيث الكفاءة. وتتضمن الملفات في فترة ما بعد سنة 1943 وصفاً مفصلاً للزراعة وتربية الحيوانات، وللأراضي المزروعة، ولعدد الأشجار في المزارع، ولنوع وجودة الفواكه في كل بستان (وحتى كل شجرة مفردة)، ولمعدل مساحة الأرض بالنسبة إلى كل عائلة، ولعدد السيارات، ولأصحاب الدكاكين، وللعاملين في الورشات، ولأسماء الحرفيين في كل قرية ونوع مهاراتهم. وفي وقت لاحق، أضيفت إلى ذلك تفصيلات دقيقة جداً عن كل حمولة وانتماءاتها السياسية، والفوارق الطبقية بين الأعيان والعامة، وأسماء الموظفين العاملين في دوائر الحكومة الانتدابية.

ومع اكتساب عملية جمع المعلومات قوة دفع تلقائية، يجد المرء مع حلول سنة 1945 مزيداً من التفصيلات، مثل وصف المساجد في القرى وأسماء الأئمة فيها، مع صفات مثل "هو رجل عادي"، بل حتى وصفاً دقيقاً لغرف الاستقبال داخل بيوت هذه الشخصيات. ومع اقتراب فترة الانتداب من نهايتها، أصبح جمع المعلومات موجهاً بصراحة نحو المعطيات ذات الطابع العسكري، مثل: عدد الحراس (معظم القرى لم يكن لديه أي حراس)، وكمية الأسلحة الموجودة ونوعيتها (بصورة عامة قديمة، أو لا وجود لها).

وجنّد دانين يهودياً ألمانياً اسمه يعقوب شمعوني، أصبح لاحقاً أحد أهم المستشرقين الإسرائيليين، وعينه مسؤولاً عن مشاريع خاصة داخل القرى، لا سيما الإشراف على عمل المخبرين. وأطلق دانين وشمعوني على أحد هؤلاء لقب "أمين الصندوق" (هَـ- غِزْبار). وأشرف هذا الشخص، الذي أثبت أنه نبع معلومات لجامعي المعطيات من أجل الملفات، على شبكة المتعاونين من سنة 1941 حتى سنة 1945. وانكشف أمره في سنة 1945 وقتل على يد ناشطين فلسطينيين.

وليس بعيداً من قرية الفريديس والمستوطنة اليهودية القديمة زِخْرون يعقوف، حيث يوجد اليوم طريق يصل الطريق الساحلية الرئيسية بمرج بن عامر (عيمك يزراعيل) عبر وادي الملح، توجد قرية للشباب (نوع من المدارس الداخلية للشبيبة الصهيونية) تدعى شيفيا. وفي هذا المكان بالذات، كانت الوحدات الخاصة الموضوعة في تصرف مشروع ملفات القرى تتدرب في عام 1944، وتنطلق منه في رحلاتها الاستطلاعية. وكانت شيفيا آنذاك شديدة الشبه بقرية تجسس خلال الحرب الباردة: يهود يتجولون متحدثين بالعربية ويحاولون محاكاة ما يعتقدون أنها طرائق عيش العرب المعتادة وسلوك الريفيين الفلسطينيين.

في عام 2002، تذكّر واحد من أوائل المجندين للتدرب في هذه القاعدة العسكرية الخاصة مهمته الاستطلاعية الأولى لقرية أم الزينات في عام 1944. كان الهدف تفحّص القرية وجلب معلومات مثل أين يقطن المختار، وأين يقع الجامع، وأين يسكن أغنياء القرية، ومن كان نشيطاً في ثورة 1936. لم تكن هذه مهمة خطرة جداً لأن القائمين بها كانوا يعرفون أنهم يستطيعون استغلال أصول الضيافة العربية التقليدية، بل إنهم حلّوا ضيوفاً في بيت المختار نفسه. وعندما لم ينجحوا في يوم واحد في جمع المعلومات التي كانوا يبحثون عنها، طلبوا استضافتهم مرة أُخرى. وكُلّفوا أن يحصلوا في زيارتهم الثانية على معلومات عن خصوبة الأراضي، التي يبدو أن نوعيتها الجيدة أدهشتهم كثيراً. وقد دُمِّرت أم الزينات في عام 1948، وطرد جميع سكانها، مع أنه لم يصدر عنهم قط أي استفزاز.

وخلال المراحل المبكرة للتطهير العرقي (حتى أيار/مايو 1948)، كان بضعة آلاف من المقاتلين الفلسطينيين غير النظاميين يواجهون عشرات الآلاف من الجنود اليهود المدربين جيداً. وفي المراحل التالية، لم تواجه قوة يهودية، عديدها ضعف عديد الجيوش العربية مجتمعة تقريباً، أية صعوبة في استكمال إنجاز المهمة.

على هامش القوة العسكرية اليهودية الرئيسية نشطت مجموعتان متطرفتان: الإرغون (يشار إليها عادة بالعبرية بتسمية إيتْسِلْ)، وعصابة شتيرن (ليحي). والإرغون منظمة انشقت عن الهاغاناه عام 1931، وكان يقودها في أربعينيات القرن الماضي مناحيم بيغن. وكانت طورت سياسات خاصة بها معادية جداً للوجود البريطاني وللسكان المحليين على السواء. أمّا عصابة شتيرن، فكانت فرعاً من الإرغون انشق عنها عام 1940. ومع الهاغاناه، شكلت المنظمات الثلاث جيشاً موحَّداً خلال أيام النكبة (مع أنها لم تعمل دائماً بانسجام وتنسيق).

وكان جزء مهم من المجهود العسكري الصهيوني هو تدريب وحدات الكوماندو الخاصة، البالماح، التي أنشئت عام 1941، في الأصل، لمساعدة الجيش البريطاني في الحرب ضد النازيين في حال وصول هؤلاء إلى فلسطين. لكن سرعان ما وُجّهت حماستها ونشاطاتها إلى العمل ضد الفلسطينيين.

في عمليات التطهير العرقي اللاحقة، كانت قوات الهاغاناه والبالماح والإرغون تحتل القرى، وبعد احتلالها بفترة وجيزة كانت تسلمها الى قوات أقل قدرة قتالية، الى وحدات من سلاح الميدان («حيش» بالعبرية) الذي أنشئ عام 1939، وكان يشكل الذراع اللوجستية للقوات اليهودية. وتتحمل هذه الوحدات الإضافية مسؤولية ارتكاب عدد من الأعمال الوحشية التي رافقت عمليات التطهير.

شكلت هذه القوى المسلحة مجتمعة قوة حربية ضخمة بما فيه الكفاية لتعزز ثقة بن غوريون بقدرة المجتمع اليهودي على أن يرث الدولة الانتدابية، ويستولي على معظم الأراضي الفلسطينية والأملاك والثروات الموجودة فيها.

كان موشيه شاريت، وزير خارجية الدولة اليهودية غير الرسمي، خارج البلد خلال الأشهر السابقة لإعلان قيام الدولة. وكان يتسلم بين حين وآخر رسائل من بن غوريون توجهه إلى أفضل الطرق للعمل من أجل الحصول على دعم عالمي ويهودي لدولة يهودية مستقبلية تواجه خطر الإبادة، وفي الوقت نفسه تطلعه على حقائق الواقع الفعلي على الأرض.

بدأ تبادل الرسائل برسالة أرسلها بن غوريون في كانون الأول/ديسمبر 1947 إلى شاريت بغية إقناعه بتفوق اليهود عسكرياً في فلسطين: "نستطيع أن نجوّع عرب حيفا ويافا (إذا أردنا ذلك)". إن هذه الثقة في ما يتعلق بقدرة الهاغاناه على احتلال فلسطين بأسرها، بل احتلال ما هو أكثر منها، ستستمر طوال مدة القتال.

وعندما يتعلق الأمر بإعادة تركيب جزء من عملية تاريخية مرتبط بتحولها من أيديولوجيا نظرية إلى واقع ملموس، هناك خياران نستطيع، نحن المؤرخين، أن نختار أحدهما في حالة فلسطين عام 1948:

الخيار الأول هو أن نلفت انتباه القارئ إلى ثبات القادة الصهيونيين- من هيرتسل إلى بن غوريون - على رغبتهم في إخلاء الدولة اليهودية العتيدة من أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، ومن ثم نبين الارتباط الوثيق بين هذه الرغبة وبين عمليات الطرد الفعلية التي ارتكبت عام 1948. وتتجسد هذه المقاربة بوضوح في عمل المؤرخ نور الدين مصالحة، الذي رسم بدقة فائقة أصل أحلام "الآباء المؤسسين" الصهيونيين وخطط الطرد لديهم. وأوضح كيف أن الرغبة في إزالة العرب من فلسطين كانت من الدعامات الأساسية للفكر الصهيوني منذ لحظة ظهور الحركة الصهيونية على المسرح السياسي بشخص تيودور هيرتسل. أما بن غوريون فبلور أفكاره بوضوح في هذه المسألة عام 1937. يقول كاتب سيرته، ميخائيل بار زوهر: "في المناقشات الداخلية، في التعليمات لمساعديه، تمسك العجوز بموقف واضح: من الأفضل أن يبقى أقل عدد ممكن من العرب داخل أراضي الدولة".

أمّا الخيار الآخر (المتاح للمؤرخ - المترجم) فهو التركيز على التطورات التراكمية في عملية صنع القرار، وإظهار كيف أن القرارات المتخذة، في اجتماع بعد اجتماع، في شأن الاستراتيجيا والوسائل، اندمجت بالتدريج إلى أن شكلت خطة تطهير عرقي منهجية وشاملة. وسأستخدم كلا الخيارين.

إن السؤال المتعلق بما يجب فعله بالسكان الفلسطينيين في الدولة اليهودية العتيدة أصبح يناقَش بتركيز شديد في الأشهر الأخيرة القريبة من نهاية الانتداب، وأخذت فكرة جديدة تعاود الظهور في أروقة السلطة الصهيونية: "الميزان". وهو مصطلح يشير إلى "الميزان الديموغرافي" بين العرب واليهود في فلسطين. وكان ميله في غير مصلحة غالبية يهودية، أو سيطرة يهودية حصرية على البلد، يوصف بأنه كارثي. وكان الميزان الديموغرافي، سواء داخل حدود الدولة التي عرضتها الأمم المتحدة على اليهود، أو داخل الحدود التي عينتها القيادة الصهيونية نفسها، كان في نظر القيادة اليهودية كارثة وشيكة الوقوع.

وكان رد فعل القيادة الصهيونية تجاه هذا المأزق من نوعين: نوع للاستهلاك العام، ونوع للحلقة الضيقة من المقربين الذين جمعهم بن غوريون حوله. فالسياسة العلنية التي شرع هو وزملاؤه في الإفصاح عنها في هيئات مثل "مجلس الشعب" المحلي ("البرلمان" اليهودي في فلسطين) كان محورها الحاجة إلى تشجيع هجرة يهودية كثيفة إلى البلد. أمّا في الأطر الضيقة، فقد كان القادة يعترفون بأن الهجرة مهما تعاظم شأنها فإنها لن تكون أبداً كافية لموازنة الغالبية الفلسطينية، وأن هناك حاجة إلى وسائل أُخرى إضافة إلى الهجرة. وكان بن غوريون وصف هذه الوسائل عام 1937 عندما ناقش مع أصدقاء له مسألة فقدان غالبية يهودية صلبة في دولة مستقبلية، فأخبرهم أن "واقعاً" كهذا - الغالبية الفلسطينية في البلد - سيرغم المستوطنين اليهود على استخدام القوة لتحقيق "الحلم": فلسطين يهودية محضة. وبعد عشرة أعوام، في 3 كانون الأول/ديسمبر 1947، في خطاب له أمام كبار أعضاء حزب مباي (حزب عمال أرض إسرائيل)، لخص بصورة أوضح كيف يجب التعامل مع حقائق لا يمكن قبولها، مثل قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة:

هناك 40 في المئة من غير اليهود في المناطق المخصصة للدولة اليهودية. إن هذه التركيبة ليست أساساً متيناً لدولة يهودية، ويجب أن نواجه هذا الواقع الجديد بكل قسوته ووضوحه. إن ميزاناً ديموغرافياً كهذا يطرح علامة استفهام في شأن قدرتنا على المحافظة على سيادة يهودية... فقط دولة 80 في المئة من سكانها على الأقل يهود يمكن أن تكون قابلة للحياة ومستقرة.

في 2 تشرين الثاني/نوفمبر ، أي قبل شهر تقريباً من تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار التقسيم، وأمام هيئة مختلفة هي اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية، صرح بن غوريون للمرة الأولى بمنتهى الوضوح أن التطهير العرقي يشكل وسيلة بديلة، أو متممة، لضمان أن تكون الدولة الجديدة يهودية محضة. أخبر الحاضرين أن الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية يمكن أن يصبحوا طابوراً خامساً، وبما أن الأمر كذلك فإنه "يمكن اعتقالهم جماعياً أو طردهم، ومن الأفضل طردهم".

لكن كيف يمكن تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي؟ يجزم سمحا فلابان أن غالبية القادة الصهيونيين كان يمكن ألاّ تذهب إلى حد الطرد الجماعي. بكلمات أُخرى: لو أن الفلسطينيين امتنعوا من مهاجمة أهداف يهودية بعد أن تبني قرار التقسيم، ولو أن النخبة الفلسطينية لم تهجر المدن، لكان من الصعب على الحركة الصهيونية أن تنفذ تطلعها إلى فلسطين مطهرة عرقياً. مع ذلك، فقد قبل فلابان أن الخطة "دالِتْ" كانت خطة رئيسية لتطهير فلسطين عرقياً. وخلافاً للتحليل الذي يقدمه بِني موريس في الطبعة الأولى من كتابه عن نشوء مشكلة اللاجئين، لكن، بما ينسجم تماماً مع التغيير الذي أدخله على وجهة التحليل في الطبعة الثانية، فإن الخطة الرئيسية لتطهير فلسطين عرقياً، الخطة "دالِتْ"، لم تنشأ من فراغ. فقد برزت بصفتها الخطة النهائية استجابة لمنحى تطور الأحداث بالتدريج على الأرض، ومن خلال نوع من سياسة ردود فعل آنية تبلورت شيئاً فشيئاً مع مرور الوقت. لكن تلك الاستجابة كانت دائماً راسخة بقوة في الأيديولوجيا الصهيونية وهدفها المتمثل في الدولة اليهودية المحضة. وهكذا، فإن الهدف الرئيسي كان واضحاً منذ البداية - إزالة العرب من فلسطين - بينما تطورت الوسائل لتحقيقه على أكمل وجه ممكن مع الاحتلال العسكري الفعلي للأراضي الفلسطينية التي ستصبح دولة إسرائيل اليهودية الجديدة.

والآن، بعد أن أصبحت المساحة محدَّدة والتفوق العسكري مؤكَّداً، كانت الخطوة الرابعة للقيادة الصهيونية، في اتجاه استكمال تطهير فلسطين، توفير الوسائل الفعلية الملموسة التي من شأنها أن تمكنهم من إزاحة هذه الكتلة الكبيرة من السكان. ففي الأراضي التي ستتكون منها مساحة دولتهم اليهودية الكبرى العتيدة، كان يعيش في أوائل كانون الأول 1947 مليون فلسطيني من مجموع السكان الفلسطينيين البالغ عددهم 1.3 مليون نسمة، بينما كان المجتمع اليهودي أقلية مكونة من 600.000 نسمة.

الانزعاج من حياة طبيعية

أعلنت الهيئة العربية العليا إضراباً لمدة ثلاثة أيام ونظمت تظاهرات جماهيرية احتجاجاً على قرار الأمم المتحدة بالتقسيم. ولم يكن هناك أي جديد في هذا النوع من ردود الفعل: كان رد الفعل الفلسطيني المألوف تجاه سياسات اعتبروها ضارة أو خطرة قصير الأمد وغير فاعل. وأفلت بعض التظاهرات من السيطرة وتوجه إلى مناطق يهودية تجارية، كما حدث في القدس حين هاجم متظاهرون دكاكين يهودية وسوقاً. لكن، وقعت أحداث أُخرى لم تكن لها، بحسب جهاز الاستخبارات اليهودي، أية علاقة بقرار الأمم المتحدة. فعلى سبيل المثال، نُصب كمين لحافلة ركاب يهودية، وهو حدث أجمعت كتب التاريخ اليهودي كلها تقريباً على أنه شكل بداية حرب 1948.

وقامت بهذا العمل عصابة أبو كشك، وكانت دوافعه عشائرية وإجرامية أكثر مما كانت جزءاً من جدول أعمال قومي. وفي أي حال، بعد ثلاثة أيام لاحظ المراسلون الصحافيون الأجانب، الذين كانوا يتابعون التظاهرات والإضرابات، معارضة متنامية بين الناس العاديين للاستمرار في الاحتجاج، ورغبة واضحة في العودة إلى الحياة الطبيعية. ففي نهاية المطاف، كان قرار الأمم المتحدة بالنسبة إلى معظم الفلسطينيين فصلاً كئيباً، لكن ليس جديداً، في تاريخهم. فعلى مر القرون، انتقلت فلسطين من يد إلى أُخرى، أحياناً امتلكها غزاة أوروبيون أو آسيويون، وأحياناً امتلكتها أجزاء من إمبراطوريات إسلامية. أمّا الناس فاستمرت حياتهم، إلى حد ما، من دون تغيير: زرعوا أراضيهم، أو مارسوا تجارتهم حيثما كانوا، واستسلموا إلى الوضع الجديد إلى حين حدوث تغيير ما مرة أُخرى. وبالتالي، انتظر القرويون وسكان المدن، سواء بسواء، بصبر، ليروا ما سيعني لهم أن يكونوا جزءاً من دولة يهودية، أو أي نظام قد يحل محل الحكم البريطاني. ولم يكن لدى معظمهم أي فكرة عما ينتظرهم، أو أن ما كان وشيك الحدوث سيشكل فصلاً لا سابق له في تاريخ فلسطين، وليس مجرد انتقال من حاكم إلى آخر، وإنما سيشكل طرداً فعلياً للسكان.

في كانون الأول/ديسمبر 1947 كان الفصل الأكثر مراوغة في تاريخ التطهير العرقي في فلسطين. كان رد الفعل المعتدل في العواصم العربية المحيطة بفلسطين محط ترحيب لدى الهيئة الاستشارية لبن غوريون، لكن رد الفعل الفلسطيني اللامبالي، والمتقاعس تقريباً، أزعجهم. في الأيام الثلاثة الأولى التالية لتبني قرار التقسيم، كانت مجموعة مختارة من أعضاء الهيئة الاستشارية تجتمع يومياً، لكنها ما لبثت أن استرخت إلى حد ما، ثم عادت إلى مألوف عادتها في الاجتماع كل عصر أربعاء في إطار اجتماعات القيادة العليا الأسبوعية، وإلى الاجتماع الإضافي للمجموعة المصغرة في اليوم التالي (عادة في منزل بن غوريون). وقد خُصّص أول اجتماع عقد في كانون الأول لتقويم المزاج والنيات الفلسطينية. وبلّغ "الخبراء" الحاضرين أن الفلسطينيين، على رغم دخول المتطوعين المبكر إلى البلد رويداً رويداً، بدوا تواقين إلى الاستمرار في حياتهم الطبيعية.

لكن العودة السريعة إلى الحياة الطبيعية ورغبة الفلسطينيين في الابتعاد عن التورط في حرب أهلية أربكتا القادة الصهيونيين الذين كانوا مصممين على خفض عدد الفلسطينيين داخل دولتهم اليهودية العتيدة بصورة جذرية، إن لم يكن التخلص منهم كلياً. كانوا في حاجة إلى ذريعة، وكان من الأصعب عليهم اختلاقها لو أن رد الفعل الفلسطيني المعتدل ظل مستمراً. لكن، لـ "حسن حظهم"، وسع جيش المتطوعين العرب في وقت ما نشاطاته ضد القوافل والمستوطنات اليهودية، وبذلك سهّل على الهيئة الاستشارية وضع سياسة الاحتلال والطرد في إطار شكل مبرر من أشكال الرد "الانتقامي"، أي تَغْمول tagmul بالعبرية. لكن الهيئة الاستشارية كانت بدأت منذ كانون الأول/ديسمبر 1947 باستخدام الكلمة العبرية "يوزما" (مبادرة) لوصف الاستراتيجيا التي كانت تنوي اتباعها حيال الفلسطينيين القاطنين في أراضي الدولة اليهودية التي كانت تتطلع إليها. وكلمة "مبادرة" تعني العمل ضد السكان الفلسطينيين من دون انتظار ذريعة لرد انتقامي على اعتداء من جانبهم. ومع مرور الوقت، ستختفي بصورة متزايدة، وفي شكل واضح، الذرائع للقيام بالردود الانتقامية.

كان بالتي سيلا عضواً في الوحدات التابعة لجهاز الاستخبارات، والتي ستقوم بدور حاسم في تنفيذ عمليات التطهير العرقي. وكانت واحدة من مهماتها تقديم تقرير يومي عن المزاج العام، أو الاتجاهات، في أوساط السكان الريفيين في فلسطين. وقد أذهل سيلا، الذي كان ينشط في السهول الشمالية الشرقية للبلد، الفارق الواضح في رد فعل المجتمع في كل من الطرفين حيال الواقع السياسي الجديد الآخذ في التكون حولهم. المزارعون اليهود في الكيبوتسات والمستوطنات، حولوا أماكن إقامتهم إلى مواقع عسكرية مستعدة للدفاع والهجوم. أمّا القرى الفلسطينية، فقد "واصلت حياتها كالمعتاد". وفي الواقع استقبله الناس في القرى الثلاث التي زارها - عين دور ودبورية وعين ماهل - كما كانوا يستقبلونه دائماً، وحيّوه كزبون محتمل لإجراء مقايضة، أو متاجرة، أو لتبادل النكات والأخبار.

الجزء الثالث

في 10 كانون الأول/ديسمبر 1947، كان عزرا دانين ونائبه يهوشواع (جوش) بالمون مختفيين عن الأنظار، وقد افتتحا اجتماع "الهيئة الاستشارية" بإخبار الحاضرين أن النخبة الحضرية الفلسطينية أخذت تترك بيوتها وتنتقل إلى مساكنها الشتوية في سوريا ولبنان ومصر. وكان ذلك ردة فعل نموذجية من جانب النخب الحضرية في أوقات الأزمات - الذهاب إلى مكان آمن ريثما يهدأ الوضع. مع ذلك، فإن المؤرخين الإسرائيليين، بمن فيهم المؤرخون التصحيحيون (الجدد) مثل بِني موريس، فسروا هذا الخروج التقليدي الموقت بأنه "هروب طوعي" كي يقولوا لنا إن إسرائيل ليست مسؤولة عما آل إليه أمرهم. لكنهم عندما تركوا، كان في نيتهم العودة إلى بيوتهم لاحقاً، وما منعهم من العودة هم الإسرائيليون: إن منع الناس من العودة إلى بيوتهم بعد إقامة قصيرة في الخارج هو عملية طرد مثل أي عمل آخر موجه ضد سكان محليين بهدف طردهم.

وأخبر دانين الحاضرين أن هذا هو المثل الوحيد الذي استطاعا اكتشافه في ما يتعلق بمغادرة فلسطينيين إلى ما وراء الحدود المعيَّنة للدولة اليهودية في قرار الأمم المتحدة، باستثناء عشائر بدوية عدة انتقلت إلى أمكنة قريبة من قرى عربية خوفاً من تعرضها لهجمات يهودية. ويبدو أن دانين كان مصاباً بخيبة أمل من جراء ذلك، لأنه طالب في الوقت نفسه باتباع سياسة أشد عنفاً بكثير، على رغم حقيقة أنه لم يكن هناك مبادرات أو نيات هجومية من ناحية الفلسطينيين. وتابع شارحاً للهيئة الاستشارية الفوائد التي ستنجم عن مثل هذه السياسة: قال له مخبروه إن أعمال عنف ضد الفلسطينيين سترعبهم، "الأمر الذي سيجعل أي مساعدة من العالم العربي غير مجدية"، وهذا ما يعني ضمناً أن القوات اليهودية سيكون في وسعها أن تفعل بهم ما تشاء.

"ماذا تعني بأعمال عنف؟" استفسر بن - غوريون.

"تدمير وسائط النقل (حافلات الركاب، والشاحنات التي تنقل المحاصيل الزراعية، والسيارات الخاصة)... وإغراق القوارب التي يستعملونها للصيد في يافا، وإغلاق دكاكينهم، ومنع المواد الخام من الوصول إلى مصانعهم".

"كيف ستكون ردة فعلهم؟" سأل بن - غوريون.

"ردة الفعل الأولية قد تكون أعمال شغب، لكنهم في نهاية المطاف سيفهمون الرسالة". وهكذا فإن الهدف الرئيسي كان ضمان أن يصبح السكان تحت رحمة الصهيونيين، كي يمكن حسم مصيرهم. ويبدو أن بن- غوريون أعجبه الاقتراح، وكتب إلى شاريت بعد ثلاثة أيام شارحاً له الفكرة العامة: إن المجتمع الفلسطيني في المنطقة اليهودية سيكون "تحت رحمتنا"، وسيكون في استطاعة اليهود أن يفعلوا بهم ما يشاؤون، بما في ذلك "تجويعهم حتى الموت".

وكان يهودي سوري آخر، إلياهو ساسون هو من حاول، إلى حد ما، أن يقوم بدور محامي الشيطان في الهيئة الاستشارية، وبدا أن لديه شكوكاً تجاه المقاربة الشديدة العداء التي كان دانين وبالمون يشرحانها. كان هاجر إلى فلسطين سنة 1927، وربما كان الشخص الأكثر إثارة للفضول، وأيضاً الأكثر تناقضاً، في الهيئة الاستشارية، ففي سنة 1919، قبل أن يصبح صهيونياً، انضم إلى الحركة القومية العربية في سوريا. وكان دوره الرئيسي في الأربعينات من القرن الماضي هو التحريض على اتباع سياسة "فرِّقْ تَسُدْ" داخل المجتمع الفلسطيني، وأيضاً في الدول العربية المجاورة. لكن محاولاته زرع الشقاق بين المجموعات الفلسطينية لم تبق لها أهمية بعد أن اتجهت القيادة الصهيونية نحو تطهير عرقي شامل لفلسطين بأسرها.

وكان اجتماع 10 كانون الأول/ديسمبر آخر اجتماع يقوم فيه ساسون بمحاولة لإقناع زملائه بأنه على رغم الحاجة إلى "خطة شاملة" كما سمّاها - أي اقتلاع السكان الفلسطينيين - فإن من الفطنة عدم اعتبار جميع السكان العرب أعداء، والاستمرار في استخدام تكتيكات "فرِّق تَسُدْ". وكان فخوراً جداً بدوره، في الثلاثينات، في تسليح المجموعات الفلسطينية المسماة "عصابات السلام"، والتي كانت مكوَّنة من خصوم الزعيم الفلسطيني الحاج أمين الحسيني. وقد قاتلت هذه الوحدات ضد التشكيلات [المسلحة] الوطنية الفلسطينية خلال الثورة العربية. وأراد ساسون الآن استخدام تكتيكات "فرِّق تَسُدْ" لتجنيد عشائر بدوية موالية.

نشاطات مبكرة

لم ترفض الهيئة الاستشارية فكرة استيعاب مزيد من المتعاونين "العرب" فحسب، بل ذهبت إلى حد اقتراح التخلي عن فكرة "الرد الانتقامي" بكاملها، وأيد معظم المشاركين في الاجتماع "الانهماك" في حملة تخويف منهجية. ووافق بن غوريون، وشُرع في تطبيق السياسة الجديدة في اليوم التالي للاجتماع.

كانت الخطوة الأولى حملة تهديدات منسقة جيدا. فكانت وحدات خاصة تابعة للهاغاناه تدخل القرى بحثاً عن "المتسللين" (المتطوعين العرب) وتوزع منشورات تحذر السكان المحليين من التعاون مع جيش الإنقاذ.

وكانت أي مقاومة لهذه التعديات تنتهي في العادة بإطلاق القوات اليهودية النار عشوائياً وقتل عدد من القرويين. وكانت الهاغاناه تسمي هذه الغارات "الاستطلاع العنيف" (هَـ - سِيور هَأَليم). والفكرة في الجوهر هي دخول قرية غير محصنة قبيل منتصف الليل، والبقاء فيها بضع ساعات، وإطلاق النار على كل من يجرؤ أو تجرؤ على مغادرة البيت، ومن ثم المغادرة. عمل القصد منه إظهار القوة أكثر مما كان عملاً تأديبياً، أو هجوماً انتقامياً.

في كانون الأول/ديسمبر 1947، اختيرت قريتان غير محصنتين: دير أيوب وبيت عفّا. وإذا ما سُقْتَ اليوم سيارتك في اتجاه الجنوب الشرقي من مدينة الرملة وقطعت مسافة قدرها نحو 15 كم، خصوصاً في يوم شتائي عندما تخضرّ شجيرات الرَّتَم الشائكة الصفراء عادة، والتي تغطي سهول فلسطين الداخلية، فإنك ستصادف منظراً غريباً، صفوفاً طويلة من الأنقاض والحجارة في حقل مكشوف تحيط بساحة مربعة متخيّلة كبيرة نسبياً؛ إنها أنقاض السياجات الحجرية لدير أيوب، وبينها أنقاض سور حجري منخفض بُني سنة 1947 لأسباب جمالية أكثر منه لحماية القرية، التي كان يقطن فيها نحو 500 نسمة. وكان سكان هذه القرية في معظمهم من المسلمين، ويعيشون في بيوت حجرية أو طينية على شاكلة البيوت المنتشرة في المنطقة.

وكانوا قبل الهجوم اليهودي مباشرة يحتفلون بافتتاح مدرسة جديدة تسجل فيها عدد لا يستهان به من التلاميذ، 51 تلميذاً، وتحقق كل ذلك بفضل الأموال التي جمعوها من بعضهم البعض، والتي كانت كافية أيضاً لدفع راتب المعلم. لكن ابتهاجهم سرعان ما تبدد عندما دخلت سرية مؤلفة من عشرين جندياً يهودياً القرية - التي كانت، مثل كثير من القرى في ذلك الوقت، لا تمتلك أية آلية للدفاع - وشرعوا في إطلاق النار عشوائياً على البيوت. وقد هوجمت القرية لاحقاً ثلاث مرات قبل أن يجرى إخلاؤها بالقوة في نيسان/إبريل 1948، ومن ثم تدميرها كلياً. وقامت القوات اليهودية بهجوم مشابه في كانون الأول/ديسمبر على بيت عفّا في قطاع غزة، لكن سكانها تمكنوا من صد الهجوم.

وتبع ذلك كله عمليات تدمير في مناطق محدودة في أماكن متفرقة من أرياف فلسطين ومدنها. واتسمت النشاطات في الريف في البداية بالتردد. اختيرت ثلاث قرى في الجليل الأعلى الشرقي: الخصاص والناعمة وجاحولا، لكن العملية أُلغيت، ربما لأن القيادة العليا اعتقدت أنها طموحة أكثر من اللازم. غير أن قائد البالماح في الشمال، يغآل ألون تجاهل الإلغاء جزئياً، وأراد أن يجرب مهاجمة قرية واحدة على الأقل، واختار الخصاص.

كانت الخصاص قرية صغيرة يقطن فيها بضع مئات من المسلمين ومئة مسيحي، يعيشون بسلام معاً في موقع طوبوغرافي فريد في القسم الشمالي من سهل الحولة على مصطبة طبيعية عرضها نحو مئة متر، نجمت قبل آلاف السنين عن التقلص المتدرج لبحيرة الحولة. وكان الرحالة الأجانب يخصّون هذه القرية بالذكر لجمال موقعها الطبيعي على ضفاف البحيرة، ولقربها من نهر الحاصباني.

هاجمت القوات اليهودية القرية في 18 كانون الأول/ديسمبر 1947، وشرعت في نسف البيوت في سواد الليل، بينما كان سكانها يغطون في النوم. فقُتل جراء ذلك خمسة عشر قروياً، بمن فيهم خمسة أطفال. وأصاب الحدث مراسل نيويورك تايمز ، الذي كان يتابع الأحداث عن كثب، بالصدمة. وذهب إلى قيادة الهاغاناه مطالباً بتفسير ما جرى. وأنكرت هذه في البداية وقوع العملية، لكن، عندما أصر المراسل على طلبه، اضطرت في النهاية إلى الاعتراف، وأصدر بن غوريون اعتذاراً علنياً درامياً، مدعياً أن العملية لم يكن مصادقاً عليها. لكن بعد أشهر، في نيسان/إبريل، أدرجها في قائمة العمليات الناجحة.

عندما اجتمعت اللجنة الهيئة الاستشارية يوم الأربعاء 17 كانون الأول ، انضم إليها يوحنان راتنر وفريتس آيزنشتاتر (عيشت)، وهما ضابطان كان بن غوريون عيّنهما لوضع "استراتيجيا قومية" قبل أن يبتكر الهيئة الاستشارية. وتوسع المجتمعون في مناقشة ما يمكن استخلاصه من عملية الخصاص الناجحة، وطالب بعضهم بمزيد من العمليات "الانتقامية" يشتمل على تدمير قرى، وطرد سكان، وإحلال مستوطنين يهود محلهم. وفي اليوم التالي لخص بن غوريون ما جرى في الاجتماع أمام لجنة الدفاع، وهي الهيئة الرسمية الأوسع التابعة للمجتمع اليهودي، والمسؤولة عن شؤون الدفاع. ويبدو أن الجميع اهتزوا طرباً لدى سماعهم ما قيل لهم، بمن في ذلك ممثل حزب اليهود المتدينين المتعصبين، أغودات يسرائيل، الذي قال:"«لقد بُلّغنا أن لدى الجيش القدرة على تدمير قرية كاملة وطرد سكانها جميعاً؛ هيا، لنفعل ذلك!" وأقرت اللجنة تعيين ضباط استخبارات لكل عملية مشابهة. وسيكون لهؤلاء دور حاسم في تنفيذ المراحل التالية للتطهير العرقي.

استهدفت السياسة الجديدة أيضاً الأماكن الحضرية في فلسطين، واختيرت حيفا لتكون الهدف الأول. ومن المثير للاهتمام أن هذه المدينة اختيرت من جانب المؤرخين الإسرائيليين المنتمين إلى التيار المركزي ومن جانب المؤرخ التصحيحي بِني موريس كمثال لوجود نية حسنة صهيونية صادقة تجاه السكان المحليين.

أمّا الحقيقة فكانت في نهاية سنة 1947 أبعد ما تكون عن ذلك. فمنذ اليوم التالي لتبني الأمم المتحدة قرار التقسيم تعرض الـ75.000 فلسطيني في المدينة لحملة إرهابية اشتركت في شنها الإرغون والهاغاناه. ولمّا كان المستوطنون اليهود جاؤوا المدينة في العقود المتأخرة، فإنهم بنوا مساكنهم في أعالي الجبل، وبالتالي فإنهم كانوا يقطنون، من ناحية طوبوغرافية، فوق الأحياء العربية، وكان في استطاعتهم أن يقصفوها ويقتنصوا سكانها بسهولة. وشرعوا في ذلك مراراً وتكراراً منذ أوائل كانون الأول. كما استخدموا وسائل أُخرى لإرهاب السكان: كانت القوات اليهودية تدحرج براميل مملوءة بالمتفجرات وكريات حديدية ضخمة في اتجاه المناطق السكنية العربية، وتصب نفطاً ممزوجاً بالبنزين على الطرقات وتشعله. وعندما كان السكان الفلسطينيون المذعورون يخرجون من بيوتهم راكضين بغية إطفاء تلك الأنهار المشتعلة، كان اليهود يحصدونهم بالمدافع الرشاشة.

وفي المناطق التي كان فيها عرب ويهود ما زالوا يتعاملون مع بعضهم البعض، كانت الهاغاناه تُحضر إلى الكاراجات الفلسطينية سيارات بحجة إصلاحها، مملوءة بالمتفجرات وأدوات التفجير، ومن ثم تفجرها فتنشر الموت والفوضى. وكانت تقوم بهذا النوع من الهجمات وحدة خاصة تابعة للهاغاناه، هَشَاحَر (الفجر)، مكونة من "مستعربين"؛ أي يهود متنكرين كفلسطينيين. وكان العقل المدبر لهذه الهجمات شخص يدعى داني أغمون، كان يرئس وحدات "الفجر". ويلخص المؤرخ الرسمي للبالماخ، في موقعه في شبكة الإنترنت ما جرى آنذاك على النحو التالي: "كان الفلسطينيون [في حيفا] يعيشون منذ كانون الأول تحت وطأة حصار وتخويف". لكن الأسوأ سيأتي لاحقاً.

وقد وضع اندلاع العنف المبكر نهاية حزينة لتاريخ طويل نسبياً من التعاون والتضامن بين العمال في مدينة حيفا المختلطة، وكان الوعي الطبقي جرى كبحه في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي من جانب القيادة القومية لكل من الطرفين، خصوصاً من جانب اتحاد العمال اليهودي، لكنه ظل يحفز العمال على القيام بنشاطات مطلبية مشتركة ضد أرباب العمل ويحملهم على التعاون في أوقات الانكماش الاقتصادي والشدة.

أدت الهجمات اليهودية في المدينة إلى تفاقم التوتر في منطقة كان العمال اليهود والعرب يعملون فيها جنباً إلى جنب: في منشآت مصفاة شركة نفط العراق في منطقة خليج حيفا. وبدأ الأمر بإلقاء زمرة تابعة للإرغون قنبلة على مجموعة كبيرة من الفلسطينيين كانت في انتظار الدخول إلى المنشآت. وادعت الإرغون أن ذلك كان رداً انتقامياً على هجوم سابق قام به عمال عرب على زملاء لهم يهود. وكانت تلك ظاهرة جديدة في موقع صناعي كان العمال العرب واليهود معتادين فيه العمل المشترك من أجل الحصول من مستخدميهم البريطانيين على شروط عمل أفضل. لكن قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة ألحق ضرراً جدياً بالتضامن الطبقي، وبدأت التوترات تتفاقم. وكان إلقاء القنابل وسط التجمعات العربية من اختصاصات الإرغون، وفعلت ذلك مراراً قبل سنة 1947. إلاّ إن هذا الهجوم بالتحديد جرى بالتنسيق مع قوات الهاغاناه كجزء من مخطط جديد لإلقاء الرعب في قلوب سكان حيفا ودفعهم إلى الهروب من المدينة. وخلال ساعات، رد العمال الفلسطينيون على الهجوم بأعمال شغب، وقتلوا عدداً كبيراً من العمال اليهود - 39 شخصاً - في واحدة من أسوأ الهجمات الفلسطينية المضادة، وكانت آخرها، لأن سلسلة الاشتباكات المعتادة المكوّنة من فعل وردة فعل توقفت بعد ذلك.

أمّا اللجنة القومية في حيفا، التابعة للفلسطينيين، فقد ظلت تناشد البريطانيين مرة بعد أُخرى [التدخل لحمايتهم - المترجم]، مفترضة، خطأً، أنه نظراً إلى كون حيفا آخر محطة في عملية الجلاء البريطاني، فإن في استطاعتها الاعتماد على حماية البريطانيين، على الأقل إلى أن يرحلوا. وعندما لم يحدث ذلك، بدأ أعضاء اللجنة القومية يبعثون برسائل يائسة إلى أعضاء الهيئة العربية العليا داخل فلسطين وخارجها، طالبين النصح والمساعدة. ووصلت مجموعة صغيرة من المتطوعين إلى المدينة في كانون الثاني ، لكن بعض الأعيان وقادة المجتمع كان أدرك وقتها أن مصيره حُسم في لحظة تبني الأمم المتحدة قرار التقسيم: الطرد على يد جيرانهم اليهود. هؤلاء الجيران الذين كانوا هم أنفسهم من دعاهم في البداية، في الفترة العثمانية، إلى المجيء والبقاء معهم، فوصلوا بائسين ومفلسين من أوروبا، وشاركوهم العيش في مدينة كوزموبوليتانية مزدهرة - إلى أن صدر قرار التقسيم المشؤوم.

على هذه الخلفية يجب أن يتذكر المرء خروج نخبة حيفا البالغ عدد أفرادها نحو 15.000 شخص، وكثيرون منهم تجار ناجحون أدى خروجهم في ذلك الوقت إلى تعطيل التجارة والأعمال، ووضع عبء إضافي على كاهل الشرائح الفقيرة في المدينة.

"هذا ليس كافياً"، صرح يوسف فايتس قائلاً عندما اجتمعت الهيئة الاستشارية يوم الأربعاء، في 31 كانون الأول 1947، قبل ساعات قليلة فقط من مذبحة بلد الشيخ. واقترح علانية ما كان سجّله سراً في يومياته أوائل الأربعينات: "أليس الآن هو الوقت الملائم للتخلص منهم؟ لماذا نستمر في ترك هذه الأشواك بيننا وهي خطر علينا؟" وبدت ردات الفعل الانتقامية، في نظره، طريقة قديمة للتعامل مع الوضع لأنها لا تتضمن الهدف الرئيسي المتمثل في مهاجمة القرى واحتلالها. وكان فايتس عُيّن عضواً في الهيئة الاستشارية لأنه كان رئيس دائرة الاستيطان في الصندوق القومي اليهودي، ولأنه كان في الهيئة أدى دوراً حاسماً في توضيح أفكار "الترانسفير" الغامضة لأصدقائه وترجمتها إلى سياسة فعلية. وقد شعر بأن النقاش الجاري فيشأن المستقبل يفتقر إلى غاية، إلى توجه كان رسم معالمه في الثلاثينات والأربعينات.

"الترانسفير"، كتب في سنة 1940، «لا يخدم هدفاً واحداً فحسب - تقليل عدد السكان العرب - بل يخدم أيضاً غرضاً ثانياً لا يقل أهمية عن الأول، وهو إخلاء الأرض التي يزرعها العرب حالياً وتحريرها من أجل الاستيطان اليهودي." ومن ثم، خلص إلى القول: "الحل الوحيد هو ترحيل العرب من هنا إلى الدول المجاورة. يجب ألاّ نترك حتى قرية واحدة أو عشيرة واحدة."

وكانت تلك الجلسة الوحيدة للهيئة الاستشارية التي يتوافر لدينا محضر لها، (موجود في أرشيف الهاغاناه). وأعد فايتس من أجل هذه "الحلقة الدراسية الطويلة" مذكرة موجهة إلى بن غوريون شخصياً، حضّ فيها الزعيم على المصادقة على خططه لترحيل السكان الفلسطينيين عن المناطق التي أراد اليهود احتلالها، وعلى جعل الأعمال المتصلة بذلك "حجر الأساس للسياسة الصهيونية." ومن الواضح أنه كان يشعر بأن المرحلة "النظرية" في ما يتعلق بخطط "الترانسفير" انتهت، وحان أوان تطبيق الأفكار. وفي الواقع، غادر فايتس الحلقة الدراسية الطويلة وفي حيازته إذن بإنشاء زمرة صغيرة تابعة له تحت اسم "لجنة الترانسفير"، وأتى إلى الاجتماع التالي حاملاً خططاً فعلية.

في الحقيقة لم يكن هناك معارضة تستحق الذكر، وهذا ما يجعل الحلقة الدراسية الطويلة جلسة محورية بالغة الأهمية. فنقطة الانطلاق التي تقبلها الجميع، كانت أن التطهير العرقي ضروري. أمّا بقية المسائل، أو بالأحرى المشكلات، فكانت ذات طبيعة سيكولوجية أو لوجستية. فالأيديولوجيون مثل فايتس، والمستشرقون مثل ماخنس، والجنرالات مثل ألون، شكوا من أن جنودهم لم يستوعبوا بعد، كما يجب، الأوامر السابقة التي صدرت إليهم بتوسيع العمليات إلى ما هو أبعد من الأعمال الانتقامية المعتادة. والمشكلة الرئيسة، في نظرهم، كانت أن الجنود بدوا عاجزين عن التخلي عن الأساليب القديمة في الردود الانتقامية. "إنهم ما زالوا ينسفون بيتاً هنا وبيتاً هناك"، اشتكى غاد ماخنس، زميل دانين وبالمون، الذي أصبح، ويا للعجب، المدير العام لوزارة الأقليات الإسرائيلية في سنة 1949 (إذ بدا، على الأقل، وهذه نقطة في مصلحته، كأنه شعر بشيء من الندم على سلوكه في سنة 1948، واعترف صراحة في سنة 1960 بأنه "لولا الاستعدادات [العسكرية الصهيونية] المكشوفة ذات الطبيعة الاستفزازية، لكان من الممكن تفادي الانزلاق إلى الحرب [في سنة 1948]"). لكن وقتئذ، في كانون الثاني/يناير 1948، بدا نافد الصبر من كون القوات اليهودية ما زالت منهمكة في البحث عن "أفراد مذنبين" في هذا المكان أو ذاك، بدلاً من إلحاق الضرر في شكل فعال.

شرح ألون وبالمون لزملائهما التوجه الجديد: هناك ضرورة لسياسة أكثر شراسة في المناطق التي ظلت «هادئة فترة أطول من اللازم.» ولم يكن ثمة حاجة إلى إقناع بن - غوريون، إذ أعطى في نهاية الحلقة الدراسية الطويلة الضوء الأخضر للقيام بسلسلة كاملة من الهجمات الاستفزازية والفتاكة على قرى عربية، بعضها كردود انتقامية، وبعضها الآخر غير ذلك. والقصد هو التسبب بأقصى ما يمكن من الأضرار وقتل أكثر ما يمكن من القرويين. وعندما سمع أن المراحل الأولى المقترحة لتنفيذ السياسة الجديدة كانت جميعها في الشمال، طلب القيام بعمل تجريبي في الجنوب أيضاً، على أن يكون محدداً، لا عاماً. وهنا تكشّف بن غوريون فجأة عن أنه كاتب حسابات حقود. فقد حضّت على القيام بهجوم على مدينة بئر السبع والسعي بصورة خاصة الى قتل نائب المحافظ، الحاج سلامة بن سعيد، وشقيقه، اللذين رفضا في الماضي التعاون مع الخطط الصهيونية للاستيطان في المنطقة. وشدد بن غوريون على أنه لم يعد هناك ضرورة للتمييز بين "البريء" و"المذنب"، إذ حان الوقت لإلحاق أذى مصاحب ( collateral). وتذكّر دانين بعد أعوام أن بن غوريون شرح معنى "أذى مصاحب" بقوله: "كل هجوم يجب أن ينتهي باحتلال، ودمار، وطرد".

أمّا بالنسبة إلى المزاج "المحافظ" السائد في صفوف جنود الهاغاناه، فقد أوضح إيجال يادين رئيس هيئة أركان الهاغاناه - وبعد 15 أيار/مايو 1948 رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي -أن الوسيلة للتقدم [في حل هذه المشكلة - المترجم] تكمن في تبني مصطلحات جديدة صريحة، وفي تلقين عقائدي أشد قسوة. وكان نائبه، يغآل ألون، أكثر نزوعاً إلى الانتقاد. فقد انتقد الهيئة الاستشارية بصورة غير مباشرة لأنها لم تصدر أوامر صريحة بالقيام بهجوم شامل في بداية كانون الأول. "لقد كان في استطاعتنا وقتها أن نحتل يافا بسهولة، وكان يجب أن نهاجم القرى الموجودة حول تل أبيب. يجب أن نقوم بسلسلة من العقوبات الجماعية حتى لو كان هناك أطفال يعيشون في البيوت [المهاجمة]." وعندما حاول إلياهو ساسون بمساعدة رؤوفين شيلواح أحد مساعديه (لاحقاً شخصية بارزة في حقل الاستشراق الإسرائيلي)، أن يلفت الانتباه إلى أن الاستفزاز من شأنه أن ينفّر الفلسطينيين المسالمين، أو الذين يكنون الود لليهود، أجابه ألون بنفاد صبر قائلاً: "الدعوة إلى السلام ستكون ضَعْفاً!" وأبدى موشيه دايان آراء مشابهة، واستبعد بن غوريون أي محاولة للتوصل إلى اتفاق في يافا، أو في أي مكان آخر.

كان غياب جهة واضحة منسِّقة مصدر قلق للعسكريين في الهيئة الاستشارية. وذُكر أن قوات متحمسة تهاجم أحياناً قرى في مناطق ترغب القيادة العليا موقتاً في تجنب حدوث استفزازات فيها. ونوقشت في الحلقة الدراسية الطويلة حادثة معينة جرت في حي روميما في القدس الغربية. وكانت تلك المنطقة في المدينة هادئة جداً إلى أن قرر قائد محلي في الهاغاناه أن يرعب الفلسطينيين في الحي بحجة أن صاحب محطة وقود هناك كان يشجع قرويين على مهاجمة السيارات اليهودية المارة. وعندما قتل الجنود صاحب المحطة، ردت قريته، لفتا بهجوم على حافلة ركاب يهودية. وأضاف ساسون أنه اتضح أن التهمة كانت كاذبة. لكن هجوم الهاغاناه هذا كان فاتحة لسلسلة من الهجمات ضد قرى فلسطينية واقعة على المنحدرات الغربية لجبال القدس، وموجهة بصورة خاصة ضد قرية لفتا التي، حتى بشهادة استخبارات الهاغاناه، لم يحدث أن هاجمت أي قافلة على الإطلاق.

قرية لفتا، كانت واحدة من أوائل القرى التي تعرضت للتطهير العرقي. وكانت [في زمن بعيد - المترجم] مكان إقامة قاسم أحمد قائد ثورة 1834 ضد حكم إبراهيم باشا المصري والتي يعتبرها بعض المؤرخين أول ثورة وطنية فلسطينية. وكانت القرية مثالاً رائعاً للهندسة المعمارية الريفية، بشوارعها الضيقة المتوازية مع منحدرات الجبل. وقد تجلى ازدهارها النسبي، مثل كثير من القرى الأُخرى، خصوصاً في أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، في تشييد بيوت جديدة، وتحسين الطرقات والأرصفة، بالإضافة إلى مستوى معيشي أعلى. وكانت لفتا قرية كبيرة، يقطن فيها 2500 نسمة، معظمهم مسلمون، وعدد قليل منهم مسيحيون. وكان من مظاهر رخائها المستجد مدرسة للبنات تعاون عدد من القرى على تمويل بنائها في سنة 1945.

كانت الحياة الاجتماعية في لفتا تدور حول مركز تجاري، اشتمل على ناد ومقهيين. وكان يجذب إليه المقدسيين أيضاً. وكان أحد المقهيين هدفاً للهاغاناه عندما شنت هجومها في 28 كانون الأول/ديسمبر 1947. وقد أمطر اليهود المسلحون بالرشاشات المقهى بالرصاص، بينما أوقف أفراد من عصابة شتيرن حافلة ركاب بالقرب من المكان وبدأوا إطلاق النار عليها عشوائياً. وكانت تلك أول عملية لعصابة شتيرن في الريف الفلسطيني.

كانت هذه هي النتيجة النهائية للحلقة الدراسية الطويلة. فمع أن القيادة الصهيونية اعترفت بضرورة أن تكون الحملة منسقة وخاضعة للإشراف، إلاّ إنها قررت تحويل كل مبادرة غير مصادق عليها إلى جزء عضوي من الخطة، مانحة إياها مباركتها بعد وقوعها.

الجزء الرابع

أخذت العمليات العسكرية اليهودية تتجاوز بصورة منهجية العمل الانتقامي والتأديبي، وتتجه نحو مبادرات تطهيرية داخل المساحة التي خصصتها الأمم المتحدة للدولة اليهودية. وكانت كلمة تطهير، «تيهور» بالعبرية، نادراً ما تُستخدم في اجتماعات الهيئة الاستشارية، لكنها كانت ترد في كل أمر صادر عن القيادة العليا إلى الوحدات في الميدان. وهي تعني بالعبرية ما تعنيه في أية لغة أُخرى: طرد جميع السكان من قراهم ومدنهم. وقد طغى هذا التصميم على الاعتبارات السياسية الأُخرى كلها.

لا شيء من الجو الذي كان سائداً في الاجتماعات الأولى للهيئة الاستشارية انعكس في الخطب النارية التي كان بن - غوريون يلقيها أمام الجمهور العريض. كان يخبر جمهوره بلهجة ميلودرامية مشحونة بالعاطفة: «هذه حرب هدفها تدمير المجتمع اليهودي وإبادته».

ويجب أن نضيف أن هذه الخطب لم تكن مجرد لغة رنانة. فالقوات اليهودية كانت تتكبد فعلاً إصابات في أثناء محاولاتها إبقاء الخطوط مفتوحة إلى المستوطنات المعزولة التي زرعها الصهيونيون في قلب المناطق الفلسطينية. ومع حلول نهاية كانون الثاني (يناير)، كان 400 مستوطن يهودي قد قتلوا من جراء هجمات تعرضوا لها - وهو رقم كبير بالنسبة إلى مجتمع بلغ تعداده 660.000 نسمة (لكنه أقل جداً من الـ1500 فلسطيني الذين كانوا قتلوا حتى ذلك الوقت من جراء القصف العشوائي لقراهم وأحيائهم). ووصف بن - غوريون القتلى اليهود بأنهم «ضحايا هولوكوست ثانية».

كانت محاولة تصوير الفلسطينيين، والعرب عامة، بأنهم نازيون وسيلة في حملة علاقات عامة تعمد القائمون بها استخدامها لضمان ألاّ تضعف عزيمة الجنود اليهود عندما يتلقون الأوامر، ولمّا يمض بعد أكثر من ثلاثة أعوام على الهولوكوست، بتطهير وقتل وإبادة بشر آخرين.

وفي عدد من المناسبات العامة، ذهب بن - غوريون بعيداً إلى حد وصف المجهود الحربي اليهودي بأنه محاولة لحماية شرف الأمم المتحدة وميثاقها. وهذا التناقض بين السياسة الصهيونية العنيفة والمدمرة من ناحية، وبين خطاب سلمي علني من ناحية أُخرى، سوف يتكرر في منعطفات متعددة من تاريخ الصراع، لكن الخداع عام 1948 يبدو مروّعاً بصورة خاصة.

في شباط (فبراير) 1948، قرر بن - غوريون توسيع الهيئة الاستشارية فأضاف إليها ممثلي المنظمات الصهيونية المسؤولة عن التجنيد وشراء الأسلحة. وهذا يؤكد، مرة أُخرى، كم كان الارتباط وثيقاً بين مسألة التطهير العرقي وبين القدرة العسكرية. وبينما كان بن - غوريون في المناسبات العلنية يرسم سيناريوات هولوكوست ثانية مرعبة، استمعت الهيئة الاستشارية الموسعة إلى تلخيص منه للإنجازات المدهشة في مجال التجنيد الإجباري الذي فرضته القيادة الصهيونية على المجتمع اليهودي، وفي مجال شراء الأسلحة، لا سيما ما يتعلق بالأسلحة الثقيلة والطائرات.

وكانت هذه المشتريات الجديدة من الأسلحة هي التي مكنت القوات على الأرض، مع حلول شباط 1948، من توسيع عملياتها والنشاط بفعالية أشد في الريف الفلسطيني. وكان من النتائج الرئيسية للأسلحة الأشد فتكاً القصف الثقيل، وخصوصاً بمدافع الهاون الجديدة، الذي بات يوجه إلى القرى والأحياء كثيفة السكان.

ويمكن تقدير مدى ثقة العسكريين بقدرتهم من خلال معرفتنا أن الجيش اليهودي صار وقتها قادراً على تطوير أسلحة تدميرية خاصة به. وقد تابع بن - غوريون شخصياً عملية شراء سلاح فتاك في شكل بارز سيستخدم بعد فترة وجيزة في إحراق حقول الفلسطينيين وبيوتهم: قاذفة اللهب. وكان الأستاذ في الكيمياء، ساشا غولدبيرغ، اليهودي البريطاني، هو من عُيّن رئيساً لمشروع شراء، ومن ثم تصنيع، هذا السلاح، أولاً في مختبر في لندن، ولاحقاً في رحوفوت، جنوب تل أبيب، فيما أصبح لاحقاً في الخمسينات معهد وايزمن. ويحفل تاريخ النكبة الشفهي بأدلّة وفيرة على التأثيرات المروعة لهذا السلاح في الأشخاص والأملاك.

وكان مشروع قاذفة اللهب جزءاً من وحدة أوسع لتطوير أسلحة بيولوجية بإشراف عالم كيمياء طبيعية اسمه إفرايم كتسير (لاحقاً رئيس دولة إسرائيل الذي، في زلة لسان، كشف للعالم في الثمانينات أن في حيازة الدولة اليهودية أسلحة نووية). وقد بدأت الوحدة البيولوجية، التي كان يقودها مع أخيه أهارون، عملها بصورة جدية في شباط. وكان هدفها الرئيسي اختراع سلاح يمكن أن يسبب الإصابة بالعمى. وقد ذكر في تقرير له مرفوع إلى بن - غوريون: «نجري تجاربنا على الحيوانات. كان الباحثون عندنا يرتدون أقنعة غاز وملابس واقية. نتائج جيدة. الحيوانات لم تهلك (أصيبت بالعمى فقط). نستطيع أن ننتج يومياً 20 كيلوغراماً من هذه المادة.» وفي حزيران (يونيو)، اقترح كتسير استعمال هذه المادة ضد البشر. -->

وكانت هناك ضرورة لمزيد من القوة العسكرية أيضاً لأن وحدات من جيش الإنقاذ رابطت في بعض القرى، وأصبح احتلالها يتطلب مجهوداً أكبر. وفي الواقع، كان وصول جيش الإنقاذ إلى بعض الأماكن مهماً من الناحية النفسية أكثر مما كان مهماً عسكرياً. إذ لم يكن لديه الوقت لتحويل القرويين إلى مقاتلين، ولا العتاد اللازم للدفاع عن القرى. وعلى أية حال، لم يكن جيش الإنقاذ قد وصل في شباط إلاّ إلى عدد قليل من القرى، الأمر الذي كان يعني أن الفلسطينيين كانوا في معظمهم ما زالوا غير مدركين ما سيطرأ على حياتهم من تغيرات دراماتيكية وحاسمة. ولم يكن لدى قادتهم، أو لدى الصحافة الفلسطينية، أي فكرة عما كان يجرى تداوله خلف الأبواب المغلقة في البيت الأحمر، بالقرب من الضواحي الشمالية لمدينة يافا. وقد شهد شباط 1948 عمليات تطهير عرقي رئيسية، وعندئذ فقط بدأ يتضح للناس، في أماكن معينة من البلد، معنى الكارثة التي كانت على وشك أن تنزل بهم.

في منتصف شباط 1948، اجتمعت الهيئة الاستشارية لمناقشة تداعيات الوجود المتنامي لمتطوعين عرب داخل فلسطين. وأخبر إلياهو ساسون الحاضرين أن عدد المتطوعين العرب الذين دخلوا البلد كجزء من جيش الإنقاذ لم يتجاوز حتى تلك اللحظة 3000 متطوع (يذكر بن - غوريون في يومياته رقماً أصغر). وقال إنهم جميعاً تلقوا «تدريباً سيئاً»، مضيفاً أنه «إذا لم نستفزهم فلن يقوموا بأي نشاط، وستكف الدول العربية عن إرسال مزيد منهم.» ودفع هذا الوصف يغآل ألون مرة أُخرى إلى التحدث بصخب داعياً إلى القيام بعمليات تطهير واسعة النطاق، لكنه اصطدم بمعارضة من يعقوب دروري، رئيس هيئة الأركان المرتقب، الذي أصر على تبني مقاربة أكثر حذراً. غير أن دروري مرض بعد فترة وجيزة من ذلك وكف عن أداء أي دور. وجرى استبداله بيغئيل يادين، الذي كان أكثر ميلاً إلى القتال.

كان يغئيل يادين أفصح في 9 شباط عن نياته الحقيقية بالدعوة إلى «غارات أكثر عمقاً» في المناطق الفلسطينية. وخص بالذكر قرى ذات كثافة سكانية عالية، مثل فسوطة وتربيخا وعيلوط في الجليل الشمالي كأهداف للغارات، بقصد تدمير هذه القرى كلياً. وقد رفضت الهيئة الاستشارية الخطة على اعتبار أنها طموحة جداً، واقترح بن - غوريون وضعها على الرف موقتاً. وكانت التسمية الرمزية التي اقترحها يادين للعملية «لامِدْ- هِيهْ»؛ وعنى بذلك أنها رد انتقامي على الهجوم على قافلة غوش عتسيون. بعد أيام قليلة، وافقت الهيئة الاستشارية على خطط أُخرى مشابهة - حملت التسمية الرمزية نفسها - داخل مناطق ريفية فلسطينية، لكنها أصرت على ربطها، ولو في شكل فضفاض، بأعمال عدائية عربية. وكانت تلك العمليات أيضاً من بنات أفكار يادين. وبدأت في 13 شباط 1948، وركزت على مناطق عدة. في يافا نُسفت منازل، اختيرت عشوائياً، على رؤوس أصحابها، وهوجمت قرية سعسع، وثلاث قرى في جوار قيسارية.

واختلفت عمليات شباط، التي خططت لها الهيئة الاستشارية بعناية، عن العمليات التي حدثت في كانون الأول: لم تعد متفرقة، وإنما أصبحت جزءاً من محاولة أولية للربط بين فكرة حركة مواصلات يهودية غير معرقلة على طرقات فلسطين الرئيسية وبين التطهير العرقي للقرى. لكن، خلافاً للشهر الذي أعقبه، والذي ستُطلق فيه على العمليات أسماء رمزية وتُعيَّن لها مناطق وأهداف محددة بوضوح، فإن التوجيهات في شباط كانت لا تزال مبهمة.

كانت الأهداف الأولى ثلاث قرى واقعة بالقرب من المدينة الرومانية القديمة قيسارية، وهي بلدة يرجع تاريخها الحافل إلى زمن الفينيقيين. أنشئت كمستعمرة تجارية، وسماها هيرودوس الكبير لاحقاً قيسارية نسبة إلى ولي نعمته في روما، أوغسطس قيصر. وكانت أكبر هذه القرى قيسارية (الحديثة – المترجم)، إذ كان يعيش 1500 نسمة داخل الأسوار العتيقة للبلدة القديمة. وكانت تعيش بينهم، كما كان مألوفاً في القرى الفلسطينية الواقعة على الساحل، عائلات يهودية اشترت أراضي هناك وكانت تقطن عملياً داخل القرية. وكان معظم القرويين يسكن بيوتاً حجرية في جوار عائلات بدوية كانت جزءاً من القرية، لكنها لا تزال تعيش في الخيام. وكانت مياه الآبار في القرية كافية لسقاية مجتمعي الفلاحين والبدو شبه المستقرين، وتتيح فلاحة مساحات واسعة من الأرض وزراعة طيف واسع من المحاصيل الزراعية، بما في ذلك الحمضيات والموز. وهكذا، كانت قيسارية مثالاً نموذجياً لموقف كان شائعاً في الحياة الريفية الساحلية في فلسطين، يلخصه الشعار: «عِشْ، ودع غيرك يعيش».

وقد تم اختيار القرى الثلاث لأنها كانت فريسة سهلة، إذ لم تكن لديها قوة دفاعية من أي نوع، لا محلية ولا من متطوعين قدموا من الخارج. وصدر الأمر في 5 شباط بأن احتلوا القرى، وطردوا سكانها، ودمّروها.

كانت قيسارية أول قرية تهاجَم، وتم طرد سكانها جميعاً في 15 شباط 1948. استغرقت عملية الطرد ساعات قليلة فقط، ونُفذت بصورة منهجية متقنة بحيث أن الجنود تمكنوا من إخلاء وتدمير أربع قرى أُخرى في اليوم نفسه. وحدث ذلك كله تحت سمع وبصر الجنود البريطانيين الذين كانوا موجودين في مخافر الشرطة القريبة.

القرية الثانية كانت برة قيسارية، البالغ عدد سكانها آنذاك نحو 1000 نسمة. وثمة عدد من الصور الملتقطة في الثلاثينات من القرن الماضي تظهر موقعها الرائع على الشاطئ الرملي القريب من بقايا المدينة الرومانية. وقد تم محوها من الوجود في شباط بهجوم صاعق وشرس إلى حد جعل المؤرخين الإسرائيليين والفلسطينيين، سواء بسواء، يشيرون إلى اختفائها باعتباره لغزاً مبهماً. واليوم، تتمدد بلدة أور عكيفا اليهودية فوق كل متر مربع من القرية المدمرة. وكان بعض البيوت القديمة لا يزال موجوداً في البلدة في السبعينات، إلاّ إنه هُدم بسرعة عندما حاولت مجموعات أبحاث فلسطينية توثيق هذه البيوت كجزء من محاولة شاملة لإحياء التراث الفلسطيني في هذا الجزء من البلد.

وعلى نحو مشابه، لا يوجد سوى معلومات غامضة عن القرية المجاورة، خربة البرج. وكانت هذه القرية أصغر من الاثنتين الأُخريين، ولا تزال بقية منها مرئية للعين المدققة، وفي الإمكان مشاهدتها إذا ما التفت إليها المسافر عبر المنطقة الواقعة إلى الشرق من المستوطنة اليهودية القديمة بنيامينا («قديمة» نسبياً، إذ إنها أنشئت في سنة 1922). وكان المبنى الرئيسي في القرية خاناً عثمانياً، هو الأثر الوحيد الذي ما زال قائماً. وكان يدعى البرج. وتخبرك اللوحة بجانبه أنه كان ذات مرة قلعة تاريخية - لكن اللوحة تخلو من أي إشارة إلى القرية. وهو حالياً مكان محبَّب لدى إسرائيليين كثيرين، إذ تقام فيه معارض فنية وغيرها، واحتفالات عائلية.

إلى الشمال من هذه القرى الثلاث، ثمة معلم أثري آخر هو قلعة عتليت الصليبية. وقد صمدت هذه القلعة في شكل يدعو إلى الإعجاب أمام عاديات الزمن والجيوش الغازية المتعددة التي اجتاحت المنطقة منذ القرون الوسطى. وبُنيت قرية عتليت في جوارها، وكانت تشكل نموذجاً فريداً لتعاون عربي - يهودي في فلسطين الانتدابية في مجال صناعة الملح على شواطئها. وكانت معالم القرية الطوبوغرافية قد جعلتها منذ زمن بعيد مصدراً لاستخراج الملح من البحر، وعمل اليهود والفلسطينيون معاً في أحواض صنع الملح الموجودة جنوب غربي القرية، لإنتاج ملح بحري عالي الجودة. وكانت الشركة الفلسطينية المالكة للمشروع، «شركة ملح عتليت»، دعت 500 يهودي إلى العيش والعمل جنباً إلى جنب مع سكان القرية البالغ عددهم 1000 نسمة. لكن الهاغاناه حولت الجزء اليهودي من القرية في الأربعينات إلى ميدان لتدريب أعضائها، الأمر الذي أرعب الفلسطينيين وأدى إلى انخفاض عددهم إلى 200 نسمة فقط. ولا عجب في أنه مع تنفيذ العملية ضد قيسارية المجاورة، لم يتردد الجنود اليهود في قاعدة التدريب في طرد رفاقهم العمال الفلسطينيين من القرية المشتركة. والقلعة مغلقة حالياً أمام الجمهور لأنها أصبحت قاعدة رئيسية لوحدات النخبة في الكوماندوس البحري الإسرائيلي.

في شباط وصلت القوات اليهودية إلى قرية دالية الرَّوْحاء، الواقعة في السهل المطل على وادي الملح الذي يصل الساحل بمرج ابن عامر في شمال فلسطين. ويعني اسم القرية بالعربية «دالية العنب الزكي الرائحة»، ويدل على الروائح الزكية والمناظر البديعة التي لا تزال تميز المناظر الطبيعية في ذلك الجزء من البلد. وهذه، أيضاً، كانت قرية يعيش فيها يهود بين العرب ويمتلكون أراضي فيها. وقد أتت المبادرة بالهجوم عليها من يوسف فايتس، الذي أراد استغلال الطور الجديد للعمليات من أجل التخلص من القرية. وكان يشتهي التربة الخصبة، المتكونة من ترسبات مياه طبيعية متدفقة من نبع غزير جداً، يعود إليه الفضل في خصوبة حقول القرية وطيب كرومها.

بعدها حدثت الغارة على سعسع، في ليلة 14 - 15 شباط. ولا يمكنك أن تتيه عن سعسع حالياً. الاسم العربي للقرية يتكرر فيه حرف «ع» مرتين، لكن اللافتة على مدخل الكيبوتس الذي بني على أنقاض القرية الفلسطينية تذكر «ساسا»، إذ إن عبرنة الاسم أطاحت حرف الـ «ع» (الذي يصعب على الأوروبيين نطقه) لمصلحة حرف الـ «ا» الأكثر نعومة. وهنا سلم بعض البيوت الفلسطينية من التدمير، ولا يزال قائماً داخل الكيبوتس، في الطريق إلى أعلى جبل في فلسطين، جبل الجرمق (هار مِرون بالعبرية)، الواقع على ارتفاع 1208 أمتار فوق مستوى البحر. وبسبب موقعها الجميل في الجزء الوحيد الدائم الخضرة من البلد، وبيوتها المبنية من الحجر، فإن سعسع واحدة من القرى الفلسطينية التي كثيراً ما تظهر في الأدلة السياحية الإسرائيلية الرسمية.

صدر الأمر بمهاجمة سعسع عن يغآل ألون، قائد البلماح في الشمال، وكُلف موشيه كالمان، نائب قائد الكتيبة الثالثة التي ارتكبت الأعمال الوحشية في قرية الخصاص، تنفيذه. شرح ألون أن القرية يجب أن تهاجَم بسبب موقعها. «يجب أن نبرهن لأنفسنا أننا نستطيع القيام بمبادرات»، كتب إليه قائلاً. وكان الأمر واضحاً: «يجب أن تنسفوا عشرين منزلاً، وأن تقتلوا أكثر ما يمكن قتله من المحاربين (إقرأ: «القرويين»)». وهوجمت القرية في منتصف الليل - جميع القرى التي هوجمت تنفيذاً لأوامر رمزها السري «لامِدْ - هِيهْ»، هوجمت في منتصف الليل تقريباً، كما يروي موشيه كالمان. ونشرت «نيويورك تايمز»، في عددها الصادر بتاريخ 16 نيسان (أبريل) 1948، أن الوحدة الكبيرة التابعة للقوات اليهودية لم تواجه أي مقاومة من سكان القرية عندما دخلتها وبدأت بتثبيت أحزمة الديناميت حول البيوت. وروى كالمان في وقت لاحق: «صادفنا حارساً عربياً. وفوجئ بوجودنا إلى درجة أنه لم يسأل: مين هادا؟، وإنما إيش هادا؟. وأجابه أحد جنودنا ممن يعرفون العربية مازحاً (كذا) هادا إيش (إيش بالعبرية تعني نار). وأطلق عليه رشقة رصاص». وتقدم جنود كالمان في الشارع الرئيسي للقرية ونسفوا في شكل منهجي البيوت واحداً تلو الآخر بينما كانت العائلات القاطنة فيها لا تزال نائمة. «في النهاية انشقت السماء عنوة»، عندما تفجر ثلث القرية متطايراً في الهواء، تابع كالمان روايته، مغلفاً ذكرياته بمسحة شعرية. «خلفنا وراءنا 35 منزلاً مدمراً، و60 - 80 قتيلاً.» (منهم عدد لا يستهان به من الأطفال). وامتدح الجيش البريطاني لمساعدته الجنود في نقل جنديين جريحين - أصيبا جرّاء الحطام المتطاير في الهواء - إلى مستشفى صفد.

دُعي المشاركون في الحلقة الدراسية الطويلة إلى اجتماع آخر في 19 شباط/فبراير 1948، بعد أربعة أيام من الهجوم على سعسع. وكان الوقت صباح يوم خميس، واجتمعوا للمرة الثانية في منزل بن - غوريون، وسجل الزعيم الصهيوني النقاش في يومياته حرفياً تقريباً. كان القصد من الاجتماع تفحص وقع عمليات «لامِدْ - هِيهْ» على الفلسطينيين.

عرض جوش بالمون وجهة النظر «الاستشراقية»: لم يُبدِ الفلسطينيون بعد ميلاً إلى القتال. وأيده في ذلك عزرا دانين الذي قال: «لم يظهر لدى القرويين أي رغبة في القتال.» وعلاوة على ذلك، فإن من الواضح أن جيش الإنقاذ حصر نشاطاته في المناطق التي خصصتها الأمم المتحدة للدولة الفلسطينية المستقبلية. ولم يؤثر هذا الكلام في بن - غوريون، إذ كانت أفكاره تحوّم في فضاء آخر. لم يكن مسروراً من مدى العمليات المحدود. «ردة فعل ضعيفة (تجاه الأعمال العدائية العربية) لا تؤثر في أحد، بيت مدمَّر - لا شيء. دمِّر حياً، عندئذ تبدأ بإحداث تأثير!» وأعجبته عملية سعسع إذ إن أسلوب تنفيذها «تسبب بهروب العرب».

وأعرب دانين عن اعتقاده بأن العملية ولدت موجات من الذعر في القرى المجاورة، ويمكن استغلالها في ثني القرويين الآخرين عن المشاركة في القتال. وكانت النتيجة المستخلصة، بالتالي، هي الرد بقوة على كل عمل عربي مهما صغُر، وعدم الالتفات كثيراً إلى كون هذه القرية أو تلك، أو هذا العربي أو ذاك، على الحياد أم لا. وستستمر عملية الربط بين تأثير العمليات والتخطيط للعمليات التالية حتى آذار (مارس) 1948. أمّا بعد ذلك، فسيكف التطهير العرقي عن أن يكون جزءاً من رد انتقامي، وينتظم في خطة واضحة المعالم، الغاية منها اقتلاع الفلسطينيين جماعياً من وطنهم.

استمر ألون في اجتماع الهيئة الاستشارية، في أواسط شباط، في التوسع في إيضاح الدروس المستخلصة من عمليات «لامِدْ- هِيهْ» قائلاً: «إذا دمرنا أحياء بكاملها أو بيوتاً كثيرة في القرية، كما فعلنا في سعسع، فسوف نحدث تأثيراً». وكان دُعي إلى هذا الاجتماع الخاص عدد من الأشخاص أكثر من المعتاد. تم استدعاء «خبراء» بشؤون العرب من أنحاء البلد كافة، بينهم غيورا زايد من الجليل الغربي، ودافيد كارون من النقب. وقد أفاد جميع الحاضرين، من دون استثناء، بأن الريف الفلسطيني لا يبدي رغبة في القتال أو الهجوم، وهو يفتقر إلى القدرة على الدفاع. وختم بن - غوريون بالقول أنه يفضل التحرك موقتاً بحذر أكثر، ومراقبة كيفية تطور الأحداث. وفي هذه الأثناء، أفضل ما يمكن فعله هو «الاستمرار في بث الذعر في المناطق الريفية من خلال سلسلة من الهجمات، كي يعمّ. مزاج الاستسلام الذي جرى الحديث عنه». إن مزاج الاستسلام هذا حال دون وقوع عمليات في مناطق معينة من ناحية، لكنه أدى إلى وقوعها في أماكن أُخرى، من ناحية ثانية.

وانتهى الشهر باحتلال قرية أُخرى في منطقة حيفا وطرد سكانها، هي قرية قيرة. وهذه أيضاً كان يقطن فيها يهود وعرب، وهنا أيضاً، كما حدث في حالة دالية الرَّوْحاء، حسم وجود المستوطنين اليهود على أراضي القرية مصيرها. ومرة أُخرى كان يوسف فايتس هو من حث قادة الجيش على عدم تأخير العملية ضد القرية أكثر من اللازم. «تخلصوا منهم الآن»، اقترح عليهم. وكانت قيرة قريبة من قرية أُخرى، قامون، وكان المستوطنون اليهود بنوا بيوتهم في موقع استراتيجي بينهما.

كانت قيرة قريبة جداً من المكان الذي أعيش فيه حالياً، واسمها الآن يوكْنِعام. وكان يهود هولنديون اشتروا بعض الأراضي هنا في سنة 1935، و«دمجوا» القريتين الفلسطينيتين بعد إخلائهما في مستوطنتهم في سنة 1948. واستولى كيبوتس حَتْسوريا المجاور على بعض الأراضي أيضاً. ويوكْنِعام بقعة ساحرة لأنه يجري فيها واحد من آخر الأنهار النقية في منطقة مرج ابن عامر. وفي الربيع، تتدفق المياه عبر واد ضيق بديع منحدرة إلى القرية، كما كانت تفعل في ما مضى من الزمن عندما كانت تصل إلى بيوت القرية الحجرية. وكان سكان قيرة يسمون النهر «المقطَّع»، ويسميه الإسرائيليون «نهر السلام». ومثل كثير من الأماكن الأُخرى الجميلة، الصالحة للاسترخاء والسياحة في هذه المنطقة، يخفي هذا المكان خرائب قرية كانت هناك عام 1948. ويخجلني أن أقول إن أعواماً كثيرة مضت قبل أن أكتشف ذلك.

لم تكن قيرة وقامون المكانين الوحيدين اللذين استطاع فايتس أن يشبع من خلالهما نزوعه إلى الطرد. لقد كان تواقاً إلى العمل حيثما استطاع إلى ذلك سبيلاً. وتكشف يومياته، في فقرة دوّنها في كانون الثاني، بعد فترة وجيزة من دعوته إلى الانضمام إلى الهيئة الاستشارية، كيف أنه كان يفكر في استخدام سياسة «الرد الانتقامي» للتخلص من المزارعين المستأجرين في الأراضي التي اشتراها يهود.

وقد وضع بِني موريس قائمة بعدد من العمليات التي أشرف فايتس على تنفيذها في شباط وآذار، والتي، بحسب موريس، لم يحصل على مصادقة عليها من جانب ما يسميه بتعبير ملطَّف «القيادة السياسية»، وهذا مستحيل، فالقيادة المركزية للهاغاناه صادقت على جميع أعمال الطرد، ومن الصحيح أنها، قبل 10 آذار 1948، لم تكن تريد أن يتم إخطارها مسبقاً بها، لكنها كانت دائماً تصادق عليها بعد وقوعها. ولم يحدث قط أن وُجِّه أي توبيخ إلى فايتس بسبب مسؤوليته عن عمليات الطرد في قيرة وقامون، وعرب الغوارنة في وادي نعمان، وقومْية، ومنصورة الخيط، والحسينية، والعلمانية، وكراد الغنامة، والعبيدية، وجميعها قرى اختارها إمّا لنوعية أراضيها الجيدة، وإمّا لأن مستوطنين كانوا يقطنون فيها أو في جوارها.

الجزء الخامس

في وقت مبكر من نيسان (أبريل)، عدّد بن غوريون بافتخار أمام أعضاء من حزبه مباي، أسماء القرى العربية التي احتلتها القوات اليهودية قبيل ذلك التاريخ. وفي مناسبة أُخرى، في 6 نيسان، نجده يوبخ أعضاء في اللجنة التنفيذية للهستدروت من ذوي الميول اليسارية تساءلوا عن الحكمة من مهاجمة الفلاحين بدلاً من مجابهة مُلاّك الأراضي، الأفندية، ويقول لواحد من كبارهم: «لا أوافقك في أننا يجب أن نجابه الأفندية وليس الفلاحين: أعداؤنا هم الفلاحون العرب».

كان مدركاً في ذلك الوقت أن فلسطين باتت في قبضته، إلاّ انه لم يبالغ في الثقة، ولم يشارك في احتفالات 15 أيار 1948، لأنه كان يعي جسامة المهمة الماثلة أمامه: تطهير فلسطين عرقياً، والتأكد من أن المحاولات العربية لن تنجح في منع اليهود من الاستيلاء على البلد.

وعندما وُضعت الخطة دالِتْ موضع التنفيذ، كان في تصرف الهاغاناه أكثر من 50000 جندي، نصفهم تدرب على أيدي البريطانيين خلال الحرب العالمية الثانية، وكان أوان تنفيذ الخطة قد حان.

أول عملية في خطة دالِتْ

المنطقة الأولى التي اختيرت لوضع الخطة دالِتْ موضع التطبيق كانت الهضاب الريفية الواقعة على المنحدرات الغربية لجبال القدس، في منتصف الطريق المفضي إلى تل أبيب. واتخذ القرار بتنفيذ عملية نَحْشون، التي ستشكل نموذجاً للحملات التالية: الطرد الجماعي المفاجئ.

وإذا حكمنا بموجب المحصلة النهائية لهذه المرحلة، وأعني بها نيسان - أيار 1948، فإن المشورة كانت عدم الإبقاء ولو على قرية واحدة. وبينما كانت الخطة دالِتْ الرسمية تعرض على القرية خيار الاستسلام، فإن الأوامر العملانية لم تستثنِ أي قرية [من التدمير والطرد- المترجم] مهما يكن السبب. وبذلك تحولت الخطة الرئيسية إلى أمر عسكري بالشروع في تدمير القرى. وقد اختلفت التواريخ بحسب الجغرافيا: لواء ألكسندروني، الذي سيجتاح الساحل العامر بعشرات القرى، مخلفاً وراءه قريتين فقط، تلقى أوامره مع اقتراب نيسان من نهايته؛ والتعليمات بتطهير الجليل الشرقي وصلت إلى قيادة لواء غولاني في 6 أيار 1948، وفي اليوم التالي أقدم على تطهير القرية الأولى في «منطقته»، قرية الشجرة.

تلقت وحدات البالماخ أوامرها بالقيام بعملية نَحْشون في اليوم الأول بالذات من نيسان 1948. وكانت الهيئة الاستشارية اجتمعت في الليلة السابقة في منزل بن- غوريون لوضع اللمسات النهائية على التعليمات للوحدات. كانت الأوامر واضحة: «الهدف الرئيسي للعملية هو تدمير القرى العربية.... [و] طرد القرويين كي يصبحوا عبئاً اقتصادياً على القوات العربية العامة».

واقترنت عملية نَحْشون بتجديدات في نواحٍ أُخرى أيضاً. فقد كانت أول عملية حاولت فيها جميع المنظمات العسكرية اليهودية المتعددة أن تعمل كجيش موحد، واضعة بذلك الأساس لجيش الدفاع الإسرائيلي المرتقب. وكانت هذه أول عملية يتّحد فيها يهود أوروبا الشرقيون القدامى، الذين كانوا بحكم الطبيعة مهيمنين على المشهد العسكري، مع المجموعات الإثنية الأُخرى، مثل القادمين الجدد من العالم العربي ومن أوروبا ما بعد الهولوكوست.

عبدالقادر الحسيني

--> كتب قائد إحدى الكتائب، التي شاركت في هذه العملية، أوري بن آري، في مذكراته، أن «صَهْرَ الشتات» كان واحداً من الأهداف المهمة لعملية نَحْشون. وكان بن آري آنذاك شاباً يهودياً ألمانياً جاء فلسطين قبل بضع سنوات. واستكملت وحدتـه استعـداداتها لعملية نَحْشون على ساحل البحر الأبيض المتوسط، بالقرب من الخضيرة. وتذكّر أنه رأى نفسه شبيهاً بالجنرالات الروس الذين حاربوا النازيين في الحرب العالمية الثانية. وكان «النازيون» في حالته عدداً كبيراً من القرى الفلسطينية المعزولة الواقعة بالقرب من طريق يافا - القدس، والمجموعات شبه العسكرية التابعة لعبد القادر الحسيني التي جاءت لنجدتها.

كانت وحدات عبدالقادر الحسيني ترد على الهجمات اليهودية السابقة بإطلاق النار عشوائياً على وسائط النقل اليهودية المارة بالطرقات، موقعة عدداً من القتلى والجرحى بين المسافرين. أمّا القرويون أنفسهم، كما كانت عليه الحال في أماكن أُخرى من فلسطين، فقد كانوا يحاولون مواصلة العيش كالمعتاد، غافلين عن الصورة الشيطانية التي ينسبها إليهم بن آري ورفاقه. وخلال أيام قليلة سيطرد معظمهم إلى الأبد من البيوت والحقول التي عاشوا هم وأجدادهم فيها وزرعوها منذ قرون. وقد أبدت المجموعات الفلسطينية شبه العسكرية، بقيادة عبدالقادر الحسيني، مقاومة أشد مما توقعت كتيبة بن آري، الأمر الذي أدى إلى عدم تقدم عملية نَحْشون في البداية وفقاً للخطة. لكن مع حلول 9 نيسان كانت الحملة قد انتهت.

في ذلك اليوم نفسه سقطت أول قرية من القرى الفلسطينية العديدة الموجودة حول القدس في أيدي اليهود، على رغم أن اسمها الميمون- القسطل (القلعة). كانت تحصيناتها القديمة لا تزال قائمة، لكنها لم تستطع حمايتها من القوات اليهودية المتفوقة. وكانت القرية واقعة على القمة الغربية الأخيرة قبل الصعود النهائي إلى القدس. ولا يذكر النصب الذي أقامته إسرائيل في الموقع تخليداً للهاغاناه أنه كان هناك بالتحديد قرية فلسطينية. وتشكل اللوحة الموضوعة لإحياء ذكرى المعركة مثالاً نموذجياً لمدى عمق تجذّر لغة الخطة دالِتْ في التاريخ الشعبي الإسرائيلي حالياً. فكما كان الأمر في الخطة، لا تشير اللوحة إلى القسطل كقرية، وإنما كـ «قاعدة للعدو»: القرويون الفلسطينيون يُجردون من إنسانيتهم كي يمكن تحويلهم إلى «أهداف شرعية» يجوز استهدافها بالتدمير والطرد.

في 9 نيسان، قتل عبدالقادر الحسيني في المعركة بينما كان يدافع عن القرية. وقد أدى موته إلى تدهور معنويات جنوده إلى حد أن القرى الأُخرى في القدس الكبرى سقطت كلها بسرعة في أيدي القوات اليهودية. حوصرت واحدة تلو الأُخرى، ثم هوجمت واحتُلت، وطُرد سكانها، وهُدمت بيوتهم ومبانيهم. وفي عدد منها، رافق الطرد مجازر كان أسوأها صيتاً المجزرة التي ارتكبتها القوات اليهودية، يوم سقوط القسطل نفسه، في دير ياسين.

تجلت طبيعة خطة دالِتْ المنهجية والمنظمة جيداً في دير ياسين. وهي قرية هادئة ومسالمة توصلت إلى معاهدة عدم اعتداء مع الهاغاناه في القدس، لكن حُكم عليها بالهلاك لأنها كانت تقع داخل المناطق التي عينتها الخطة دالِتْ أهدافاً للتطهير. ولأن الهاغاناه كانت وقّعت اتفاقاً مع القرية، فإنها قررت أن ترسل إليها قوات الإرغون وعصابة شتيرن، كي تعفي نفسها من أي مسؤولية رسمية. ويُذكر أن في التطهيرات اللاحقة لـ «القرى الصديقة» تخلت الهاغاناه حتى عن اعتبار هذه الخدعة ضرورية.

في 9 نيسان 1948، احتلت القوات اليهودية قرية دير ياسين الواقعة على هضبة إلى الغرب من القدس، على ارتفاع 800 متر فوق سطح البحر بالقرب من حي غِفعات شاؤول اليهودي. وتستخدم مدرسة القرية القديمة اليوم مستشفى للأمراض العقلية يخدم الحي اليهودي الغربي الذي تمدد فوق أراضي القرية المدمرة.

عندما اقتحم الجنود اليهود القرية، رشقوا البيوت بنيران المدافع الرشاشة، متسببين بقتل كثير من سكانها. ومن ثم جمعوا بقية القرويين في مكان واحد وقتلوهم بدم بارد، وانتهكوا حرمة أجسادهم، في حين اغتُصب عدد من النساء ومن ثم قُتلن.

الهدف التالي كان أربع قرى مجاورة: قالونيا، ساريس، بيت سوريك، بِدّو. ولم تستغرق العملية في كل قرية أكثر من ساعة واحدة أو نحوها - دخلت وحدات الهاغاناه القرية المعنية، ونسفت البيوت، وطردت السكان. ومن المثير للاهتمام (أو للسخرية، إن شئت) أن ضباط الهاغاناه ادعوا أنهم اضطروا إلى بذل جهد كبير لكبح سُعار النهب الذي تملّك مرؤوسيهم في كل قرية بعد احتلالها. ويروي بن آري، الذي كان مشرفاً على وحدة زرع المتفجرات التي نسفت البيوت، في مذكراته، كيف أنه بمفرده أوقف عملية نهب القرى. لكن أقل ما يقال في ادعائه هذا أنه مبالغ فيه، علماً أن الفلاحين هربوا من دون أن يحملوا شيئاً معهم بينما وجدت مقتنياتهم طريقها إلى صالونات ومزارع الجنود والضباط، سواء بسواء، كتذكارات حرب.

قريتان في المنطقة نفسها أُعفيتا من التدمير: أبو غوش والنبي صموئيل. وكان السبب في ذلك أن مختاريهما أقاما علاقات ودية مع القادة المحليين لعصابة شتيرن. ومن سخريات القدر أن هذا كان ما حال بينهما وبين الدمار والطرد، إذ أرادت الهاغاناه تدميرهما، لكن الجماعة الأكثر تطرفاً، عصابة شتيرن، سارعت إلى نجدتهما. بيد أن هذا كان استثناء نادراً، إذ لاقت مئات من القرى مصير قالونيا والقسطل نفسه.

إن ثقة القيادة اليهودية في أوائل نيسان بقدرتها لا على الاستيلاء على المناطق التي منحتها الأمم المتحدة للدولة اليهودية فحسب، بل أيضاً على تطهيرها، يمكن سبرها من الطريقة التي وجهت فيها الهاغاناه، مباشرة بعد عملية نَحْشون، اهتمامها إلى المراكز الحضرية الرئيسية في فلسطين. وقد هوجمت هذه المراكز بصورة منهجية خلال بقية الشهر، بينما كان موظفو الأمم المتحدة والموظفون البريطانيون يراقبون ما يجري بلا مبالاة ومن دون أن يحركوا ساكناً.

انطلق الهجوم على المراكز الحضرية ابتداء بطبرية. فما إن وصلت أخبار دير ياسين، وأخبار المجزرة التي وقعت بعد ثلاثة أيام في 12 نيسان في قرية ناصر الدين، إلى السكان الفلسطينيين في طبرية، حتى هرب كثيرون منهم. وكان السكان قد أفزعهم القصف اليومي العنيف من جانب القوات اليهودية المتمركزة على الهضاب المشرفة على هذه العاصمة التاريخية القديمة الواقعة على شاطئ بحيرة طبرية، حيث كان نحو 6000 يهودي و 5000 عربي يعيشون هم وأجدادهم معاً بسلام منذ قرون. ولم يتمكن جيش الإنقاذ، بسبب العرقلة البريطانية، من نجدة المدينة بأكثر من قوة مؤلفة من نحو ثلاثين متطوعاً. ولم يكن هؤلاء نداً لقوات الهاغاناه، التي كانت تدحرج براميل مملوءة بالمتفجرات من الهضاب إلى المدينة، وتستخدم مكبرات الصوت لإصدار أصوات مخيفة لبث الذعر في قلوب السكان - نسخة مبكرة عن اختراق الطائرات المقاتلة لجدار الصوت فوق بيروت في سنة 1982 وفوق غزة في سنة 2005، الذي دانته منظمة حقوق الإنسان بصفته عملاً إجرامياً. وسقطت طبرية في 18 نيسان.

طرد أهل حيفا

تمت الموافقة على العمليات التي جرت في حيفا بأثر رجعي، ورحبت الهيئة الاستشارية بها، مع أنها لم تكن بالضرورة المبادرة إلى [إصدار الأوامر- المترجم]. وكان الترويع المبكر لسكان المدينة العرب في كانون الأول [1947 - المترجم] قد دفع كثيرين من أبناء النخبة الفلسطينية إلى المغادرة إلى مساكنهم في لبنان ومصر، ريثما يعود الهدوء إلى مدينتهم. ومن الصعب تقدير عدد الذين يمكن تصنيفهم ضمن هذه الفئة: معظم المؤرخين يقدر الرقم ما بين 15,000 و20,000. -->

في 12 كانون الثاني (يناير) 1948، أبرق زعيم محلي يدعى فريد السعد، مدير البنك العربي في حيفا وعضو اللجنة القومية المحلية، إلى الدكتور حسين الخالدي، سكرتير الهيئة العربية العليا، قائلاً بيأس: «من حسن الحظ أن اليهود لا يعرفون الحقيقة». وكانت «الحقيقة» أن النخبة الحضرية في فلسطين انهارت بعد شهر من القصف اليهودي العنيف والاعتداءات. لكن اليهود كانوا يعرفون تماماً ما كان يجري. وفي الواقع، كانت الهيئة الاستشارية تعرف جيداً أن الأغنياء والميسورين غادروا في كانون الأول (ديسمبر)، وأن المدينة لم تكن تصل إليها أسلحة عربية، وأن الحكومات العربية لم تكن تفعل أكثر من شن حرب كلامية حماسية عبر الأثير لإخفاء تقاعسها عن العمل وعدم رغبتها في التدخل لمصلحة الفلسطينيين.

أمّا رحيل الأغنياء فكان معناه أن ما بين 55000 و60000 فلسطيني في حيفا أصبحوا بلا قيادة. وأنهم، نظراً إلى عدد المتطوعين القليل في المدينة، كانوا في نيسان 1948 تحت رحمة القوات اليهودية، وذلك على رغم وجود القوات البريطانية، التي كانت نظرياً مسؤولة عن سلامة السكان المحليين ورخائهم.

استهدفت العملية اليهودية في مرحلتها الأولى المنطقة المحيطة بحيفا، وأُطلق عليها الاسم الرمزي، المنذر بالشؤم، «المقص» (مِسْبارايمْ)، الذي يشير إلى حركة كماشة وإلى فصل المدينة عن الأرياف المحيطة بها. وكانت حيفا، مثل طبرية، قد خُصصت في خطة الأمم المتحدة للدولة اليهودية، علماً أن ترك الميناء الكبير الوحيد في البلد تحت السيطرة اليهودية كان مظهراً آخر من مظاهر الصفقة المجحفة التي عرضتها الأمم المتحدة على الفلسطينيين في اقتراحها لإحلال السلام. وقد أراد اليهود المدينة من دون الـ75000 فلسطيني القاطنين فيها، وفي نيسان 1948، حققوا هدفهم.

وبما أن حيفا كانت ميناء فلسطين الرئيسي، فإنها كانت المحطة الأخيرة في مسار الانسحاب البريطاني. وكان من المتوقع أن يبقى البريطانيون حتى آب (أغسطس)، لكنهم قرروا في شباط (فبراير) 1948 تقديم موعد الانسحاب إلى أيار. وبالتالي، فإن أعداداً كبيرة من الجنود البريطانيين كانت موجودة في المدينة، وكان لا يزال لديها السلطة القانونية، ويمكن للمرء أن يضيف الأخلاقية، لفرض القانون والنظام العام فيها. لكن سلوك هؤلاء الجنود، كما اعترف بذلك كثير من الساسة البريطانيين في وقت لاحق، شكل واحداً من أكثر الفصول مدعاة إلى العار في تاريخ الإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط. وقد بدأت الحملة اليهودية لبث الذعر في القلوب في كانون الأول، واشتملت على قصف عنيف، ونيران قنص، وأنهار من النفط والوقود المشتعل المتدفقة من أعالي الجبل [الكرمل- المترجم] إلى الأسفل، وبراميل مملوءة بالمتفجرات، وتواصلت طوال الأشهر الأولى من سنة 1948، لكنها اشتدت في أوائل نيسان. وفي 18 نيسان، في اليوم نفسه الذي أُرغم فيه الفلسطينيون في طبرية على الهروب، استدعى الميجر جنرال هْيو ستوكويل، قائد القطاع الشمالي البريطاني، الذي كان مقره في حيفا، ممثلي السلطات اليهودية في المدينة وأخبرهم أن القوات البريطانية ستنسحب خلال يومين من مواقعها التي كانت تشكل منطقة عازلة بين المجتمعين. وكانت هذه المنطقة «العازلة» هي العقبة الوحيدة التي منعت القوات اليهودية من شن هجوم مباشر واحتلال المناطق الفلسطينية التي كان أكثر من 50000 نسمة ما زالوا يعيشون فيها. وهكذا أصبح الطريق مفتوحاً أمام تطهير حيفا من العرب.

أُوكلت المهمة إلى لواء كرملي، الذي كان واحداً من صفوة التشكيلات في الجيش اليهودي (كان هناك ألوية من «نوعية أدنى» مثل لواء كرياتي، المشكَّل من يهود عرب كانوا يرسلون للقيام فقط بأعمال النهب أو بـ «مهمات» أقل جاذبية؛ ويمكن العثور على وصف للواء كرياتي بأنه مكوّن من «نوعية بشرية أدنى» في الوثائق الإسرائيلية). وكان يقف في مواجهة لواء كرملي، البالغ تعداده 2000 جندي، جيش عديده 500 من المتطوعين المحليين، ومن متطوعين آخرين معظمهم لبنانيون، في حيازتهم أسلحة بسيطة وذخائر محدودة، وبالتأكيد لا شيء يعادل العربات المصفحة ومدافع الهاون في الجانب اليهودي.

وكان معنى إزالة الحاجز البريطاني أنه يمكن استبدال عملية «المقص» بعملية «إزالة الخبز المختمر» («بِعور حَميتس»). ويعني هذا التعبير بالعبرية التطهير الكلي، ويشير إلى الفريضة الدينية اليهودية القاضية بتطهير البيوت من أي أثر للخبز أو الطحين عشية عيد الفصح، لأن من المحظور تناولهما خلال أيام الصوم - اسم رمزي ملائم بشكل وحشي لتطهير حيفا، حيث الفلسطينيون كانوا الخبز والطحين في العملية التي بدأت عشية عيد الفصح، في 21 نيسان.

كان ستوكويل، القائد البريطاني، على علم مسبق بالهجوم اليهودي الوشيك، واستدعى في وقت مبكر من اليوم نفسه «القيادة الفلسطينية» في المدينة للتشاور. وقابلته مجموعة من أربعة أشخاص منهَكين، أصبحوا قادة المجتمع العربي وقتئذ، مع أن أياً من المناصب التي كانوا يشغلونها رسمياً لم يهيئهم للحظة التاريخية الحاسمة التي تجلت في مكتب ستوكويل في صبيحة ذلك اليوم. وتظهر مراسلات سابقة بينهم وبين ستوكويل أنهم كانوا يثقون به بصفته حامي القانون والنظام في المدينة. وإذ بالضابط البريطاني ينصحهم اليوم بأن من الأفضل لشعبهم أن يرحل عن المدينة، حيث كانوا هم ومعظم عائلاتهم يعيشون ويعملون منذ منتصف القرن الثامن عشر، عندما برزت حيفا كمدينة حديثة. وبالتدريج، بينما كانوا يصغون إلى ستوكويل وثقتهم به تتضاءل، أدركوا أنهم لن يستطيعوا حماية مجتمعهم، واستعدوا للأسوأ: بما أن البريطانيين لن يحموهم، فإن مصيرهم المحتوم سيكون الطرد. وأخبروا ستوكويل أنهم يريدون الرحيل بشكل منظم. وحرص لواء كرملي على ترحيلهم عبر أشلاء القتلى والدمار.

كان الرجال الأربعة، وهم في طريقهم لمقابلة القائد البريطاني، يسمعون مكبرات الصوت اليهودية تحث النساء والأطفال الفلسطينيين على الرحيل قبل فوات الأوان، بينما في أجزاء أُخرى من المدينة كانت مكبرات الصوت تبث رسالة مناقضة تماماً صادرة عن محافظ المدينة اليهودي، شبتاي ليفي، الذي كان شخصاً محترماً بحسب جميع الروايات، والذي توسل إلى الناس كي يبقوا، ووعدهم أن أي أذى لن يلحق بهم. لكن مردخاي مَكْليف، قائد عملية لواء كرملي، وليس ليفي، كان صاحب القرار. وقد نسّق مَكْليف حملة التطهير، وكانت الأوامر التي أصدرها إلى قواته واضحة وبسيطة: «اقتلوا كل عربي تصادفونه، واحرقوا جميع الأشياء القابلة للاحتراق، واقتحموا الأبواب بالمتفجرات» (لاحقاً أصبح رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي).

عندما نُفذت هذه الأوامر من دون إبطاء داخل الـ 1.5 كم 2 التي كان لا يزال يعيش فيها آلاف من سكان حيفا العزّل، كانت الصدمة والرعب من الشدة حيث إن الناس بدأوا الرحيل جماعياً، من دون أن يجمعوا أياً من حاجاتهم أو حتى يدركوا ما كانوا يفعلونه. وفي غمرة الذعر، اتجهوا نحو الميناء على أمل أن يجدوا سفينة أو قارباً ينقلهم بعيداً عن المدينة. وما إن لاذوا بالفرار حتى اقتحم الجنود اليهود بيوتهم ونهبوها.

وعندما زارت غولدا مئير، واحدة من القادة الصهيونيين الكبار، حيفا بعد أيام قليلة، وجدت من الصعب عليها في البداية أن تكبت إحساساً بالرعب عندما دخلت البيوت حيث كان الطعام المطبوخ ما زال على الطاولات، والألعاب والكتب التي تركها الأطفال على الأرض، وحيث بدا الأمر كأن الحياة تجمدت في لحظة واحدة. وكانت مئير جاءت فلسطين من الولايات المتحدة، التي هربت عائلتها إليها في إثر المذابح المنظمة في روسيا، وذكّرتها المناظر التي شاهدتها ذلك اليوم بأسوأ القصص التي سمعتها من عائلتها عن الوحشية الروسية ضد اليهود قبل عقود. لكن ذلك لم يؤثر، كما يبدو، في عزمها أو عزم زملائها على المضي قدماً في التطهير العرقي لفلسطين.

--> في الساعات الأولى من فجر يوم 22 نيسان، بدأ الناس يتدفقون إلى الميناء. وبما أن الشوارع كانت في ذلك الجزء من المدينة شديدة الازدحام بالناس الساعين للنجاة، فإن القيادة العربية التي نصبت نفسها قيادة حاولت أن تدخل شيئاً من النظام إلى الفوضى العارمة. وكان في الإمكان سماع مكبرات الصوت تحث الناس على التجمع في السوق القديمة المجاورة للميناء، والبحث عن مكان آمن هناك إلى أن يصبح في الإمكان ترتيب إخلاء منظم عن طريق البحر. «اليهود احتلوا شارع ستانتون وهم على الطريق»، كانت مكبرات الصوت تدوّي.

إن كتاب لواء كرملي عن الحرب، الذي يروي ما قام به خلال الحرب، لا ينم عن أي وخز للضمير في ما يتعلق بما جرى بعد ذلك. ضباط اللواء، الذين كانوا يعرفون أن الناس نُصحوا بالتجمع بالقرب من بوابة الميناء، أمروا جنودهم بنصب مدافع هاون من عيار 3 بوصات على منحدرات الجبل المطلة على السوق والميناء- حيث يقوم مستشفى روتشيلد اليوم - وبقصف الناس المحتشدين في الأسفل. وكان الهدف التأكد من أن الناس لن يترددوا، وضمان أن يكون الهروب في اتجاه واحد فقط. وما إن تجمع الفلسطينيون في السوق - تحفة معمارية ترجع إلى العهد العثماني، مغطاة بسقوف بيض مقوسة، ودُمرت كلياً بعد قيام دولة إسرائيل- حتى أصبحوا هدفاً سهلاً للرماة اليهود.

كانت سوق حيفا تبعد أقل من مئة متر عما كان وقتها بوابة الميناء. وعندما بدأ القصف كانت البوابة الوجهة الطبيعية للفلسطينيين الذين أصابهم الذعر. وأزاح الحشد حراس البوابة من الشرطة جانباً واندفع إلى داخل الميناء. وسارع عشرات إلى القوارب التي كانت راسية هناك وصعدوا إليها وبدأوا الرحيل عن المدينة.

بعد أن سقطت حيفا لم يبق في فلسطين سوى مدن قليلة حرة، بينها عكا والناصرة وصفد. وبدأت المعركة على صفد في منتصف نيسان، واستمرت حتى الأول من أيار. ولم يكن السبب في استمرارها مقاومة عنيدة من جانب الفلسطينيين أو متطوعي جيش الإنقاذ، مع أنهم بذلوا جهداً جدياً أكثر مما في أمكنة أُخرى، وإنما اعتبارات تكتيكية وجهت الحملة اليهودية أولاً إلى الأرياف المحيطة بصفد، ومن ثم قامت القوات بمهاجمة المدينة.

كان عدد سكان صفد 9500 عربي و2400 يهودي. وكان معظم اليهود القاطنين هناك من المتدينين المتعصبين جداً ( Ultra-Orthodox )، ولم يكونوا معنيين قط بالصهيونية، ناهيك عن محاربة جيرانهم العرب. وقد يكون هذا الأمر، بالإضافة إلى الطريقة المتدرجة التي اتبعت في الاستيلاء على المدينة، قد أوهما أعضاء اللجنة القومية المحلية الأحد عشر بأن مصير صفد ربما سيختلف عن مصير المراكز الحضرية الأُخرى. وكانت اللجنة هيئة تمثيلية إلى حد كبير، ضمت أعيان المدينة، وعلماء (دين)، وتجاراً، ومُلاَّك أراض، وناشطين سابقاً في ثورة 1936 التي كانت صفد مركزاً رئيسياً لها. وتعزز هذا الإحساس بالأمان بفضل وجود عدد كبير نسبياً من المتطوعين العرب في صفد، قُدِّر بأكثر من 400 متطوع، مع أن نصفهم فقط كان مسلحاً ببنادق. وكانت المناوشات في المدينة بدأت في أوائل كانون الثاني، وسببها غارة استطلاعية عدوانية دخل خلالها عدد من أعضاء الهاغاناه إلى سوق وأحياء فلسطينية. وكان يتولى الدفاع عن المدينة ضد الهجمات المتكررة التي قامت بها وحدات الكوماندو التابعة للهاغاناه، البالماخ، ضابط سوري كاريزماتي هو إحسان كم الماز.

في البداية، كانت هجمات البالماخ هذه متفرقة وغير فعالة، لأن جهود الوحدات كانت مركزة على المناطق الريفية المحيطة بالمدينة. لكن عندما انتهت من السيطرة على القرى المجاورة لصفد (سيجري التطرق إلى ذلك لاحقاً في هذا الفصل)، أصبح في استطاعتها التركيز كلياً على المدينة نفسها، في 29 نيسان 1948. ولسوء حظ سكان صفد، فإنهم تحديداً في اللحظة التي احتاجوا فيها إلى الضابط القدير كم الماز، فقدوه. وعيّن القائد الجديد لجيش الإنقاذ في الجليل، أديب الشيشكلي (الذي سيصبح رئيساً للجمهورية السورية في الخمسينات)، مكانه ضابطاً آخر من ضباط جيش الإنقاذ يفتقر إلى كفاءة سلفه. وعلى أي حال، من المشكوك فيه أن النتيجة كانت ستكون مختلفة لو كان كم الماز موجوداً، نظراً إلى التفاوت الكبير في ميزان القوى: 1000 من جنود البالماخ المدربين جيداً في مواجهة 400 متطوع عربي، وهو تفاوت ينطبق على كثير من موازين القوى المحلية آنذاك، ويظهر زيف أسطورة داود اليهودي في مواجهة جُليات العربي في سنة 1948.

طردت قوات البالماخ معظم السكان، وسمحت فقط ببقاء 100 رجل طاعن في السن، لكن لا لفترة طويلة. وفي 5 حزيران، سجل بن غوريون في يومياته باقتضاب: «أخبرني أبراهام حانوخي، من [كيبوتس] أييلِتْ هشاحَر، أنه نظراً إلى بقاء 100 رجل طاعن في السن فقط في صفد فقد تم طردهم إلى لبنان».

الجزء السادس

لم تتخطَّ حملة تدمير المدن الفلسطينية القدس، التي تحولت بسرعة من «المدينة الخالدة»، كما يصفها كتاب لسليم تماري، إلى «مدينة أشباح». قصفت القوات اليهودية الأحياء العربية الغربية ثم هاجمتها واحتلتها في نيسان (أبريل) 1948. وكان عدد من السكان الأثرياء والقاطنين في الأحياء الفخمة قد غادر المدينة قبل عدة أسابيع،. والباقون طردوا من منازلهم التي لا تزال شاهدة على الجمال المعماري لأحياء النخبة الفلسطينية التي بدأت تبني بيوتها خارج أسوار البلدة القديمة منذ نهاية القرن التاسع عشر. وقد بدأ بعض هذه التحف الفنية بالاختفاء في الأعوام الأخيرة، إذ تضافرت حمّى العقارات، وجشع المقاولين لتحول هذه المناطق السكنية الجميلة إلى شوارع تملأها فيلات قبيحة وقصور باذخة لليهود الأميركيين الأثرياء الذين يميلون إلى التقاطر إلى المدينة في شيخوختهم.

عندما جرى «تطهير» هذه المناطق واحتلالها كانت القوات البريطانية لا تزال موجودة في فلسطين، لكنها ظلت بعيدة ولم تتدخل. إنما في منطقة واحدة فقط، قرر قائد بريطاني التدخل، وكان ذلك في الشيخ جرّاح، وهو أول حي فلسطيني بني خارج أسوار البلدة القديمة، وكانت تقيم فيه العائلات العريقة الرئيسة، مثل آل الحسيني والنشاشيبي والخالدي.

كانت التعليمات الصادرة إلى القوات اليهودية في نيسان 1948 واضحة جداً: «عليكم القيام باحتلال الحي وتدمير جميع منازله.» وبدأ الهجوم في 24 نيسان 1948، لكن البريطانيين أوقفوه قبل إنجاز المهمة. ولدينا شهادة بالغة الأهمية على ما حدث في الشيخ جرّاح من أمين سر الهيئة العربية العليا، د. حسين الخالدي، الذي كان يقيم هناك، إذ كانت برقياته اليائسة غالباً ما يتم اعتراضها من الاستخبارات الإسرائيلية، وهي محفوظة في الأرشيفات الإسرائيلية. ويذكر الخالدي أن قوات القائد البريطاني أنقذت الحي، عدا 20 منزلاً نجحت الهاغاناه في نسفها. ويبين هذا الموقف البريطاني المتصدي كم كان مصير كثير من الفلسطينيين اختلف لو أن القوات البريطانية تدخلت في أمكنة أُخرى، كما كانت تلزمها بذلك بنود صك الانتداب وشروط قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة.

امتناع البريطانيين من التدخل كان القاعدة، كما تبين ذلك مناشدات الخالدي الشديدة القلق والتوتر في ما يتعلق بأحياء القدس الأُخرى، خصوصاً تلك الموجودة في الجزء الغربي من المدينة. وكانت هذه المناطق تتعرض لقصف متكرر منذ اليوم الأول من كانون الثاني (يناير). وهنا، خلافاً للشيخ جرّاح، قام البريطانيون بدور شيطاني حقاً، إذ جردوا القلة من السكان الفلسطينيين التي كانت تمتلك أسلحة من أسلحتها، ووعدوا أن يحموا الناس من الهجمات اليهودية، ولكن، فوراً، نكثوا الوعد.

يخبر الدكتور الخالدي، في إحدى برقياته في أوائل كانون الثاني، الحاج أمين، الموجود في القاهرة، كيف أنه في كل يوم تقريباً يتظاهر حشد غاضب من المواطنين أمام منزله باحثاً عن قيادة، ومطالباً بالمساعدة. ويضيف أن الأطباء أخبروه أن المستشفيات تغص بالمصابين، وأن الأكفان التي لديهم لا تكاد تكفي الموتى، وأن فوضى عارمة تعم المدينة، والناس مصابون بذعر شديد.

لكن الأسوأ كان في طريقه إليهم. فبعد أيام قليلة من الهجوم المجهَض على الشيخ جرّاح، تعرضت أحياء القدس الشمالية والغربية لقصف متواصل بمدافع الهاون من عيار 3 إنشات، التي استخدمت في قصف حيفا. وحده حي شعفاط صمد، ورفض الاستسلام، وسقط حي القطمون في الأيام الأخيرة من نيسان. ويتذكر يتسحاق ليفي، رئيس استخبارات الهاغاناه في القدس: «في أثناء «تطهير» القطمون، بدأ النهب والسرقة. وشارك فيهما الجنود والمواطنون سواء بسواء. اقتحموا البيوت وأخذوا الأثاث، والملابس، والأدوات الكهربائية، والأطعمة.»

وكانت المحصلة الإجمالية للتطهير العرقي في منطقة القدس الكبرى «تطهير» ثمانية أحياء وتسع وثلاثين قرية فلسطينية، وطرد سكانها إلى الجزء الشرقي من المدينة. القرى أزيلت من الوجود، لكن بعض أجمل بيوت القدس لا يزال قائماً- تقطن فيه عائلات يهودية استولت عليه فور إخلائه من سكانه- شواهد باقية على المصير المأسوي لمُلاّك هذه البيوت.

عكا وبيسان

واصلت حملة تدمير المدن الفلسطينية اندفاعها، فاحتُلت عكا على الساحل، وبيسان في الشرق في 6 أيار (مايو) 1948. في بداية أيار برهنت عكا مرة أُخرى أن نابليون لم يكن وحده من اكتشف أن من الصعب إخضاعها؛ وعلى رغم الازدحام الشديد الناجم عن تدفق اللاجئين الهائل من مدينة حيفا المجاورة إليها، والقصف اليومي العنيف، فشلت القوات اليهودية في قهر المدينة الصليبية. غير أن مصدر مياهها المكشوف، الواقع على بعد عشرة كيلومترات إلى الشمال منها، من ينابيع الكابري، المسحوبة عبر قناة عمرها 200 عام، كان بمثابة عقب أخيل بالنسبة إليها. ويبدو أنه جرى خلال الحصار تلويث المياه بجراثيم التيفوئيد. وقد رفع مبعوثو الصليب الأحمر الدولي المحليون إلى مركزهم الرئيس تقارير بذلك، ولم يتركوا أدنى شك بمن يشتبهون: الهاغاناه. وتصف تقارير الصليب الأحمر تفشياً مفاجئاً لمرض التيفوئيد، بل حتى تشير، على الرغم من لهجتها الحذرة، إلى تسمّم خارجي كتفسير وحيد له.

--> في 6 أيار 1948، عقد اجتماع طارئ في مستشفى عكا اللبناني، الذي كان تابعاً للصليب الأحمر. وحضر الاجتماع البريغادير بيفريدج رئيس الخدمات الطبية البريطانية، والكولونيل بونيت من الجيش البريطاني، والدكتور ماكلين من الخدمات الطبية، والسيد دو مورون مندوب الصليب الأحمر في فلسطين، وموظفون حكوميون يمثلون المدينة، وذلك لمناقشة أمر المرضى السبعين الذين قضى عليهم الوباء. وتوصلوا إلى نتيجة فحواها أن الإصابة بالمرض مصدرها من دون شك مياه ملوثة، وليس الازدحام الشديد أو الأوضاع غير الصحية كما ادعت الهاغاناه. وأكد ذلك أن المرض أصاب أيضاً خمسة وخمسين جندياً بريطانياً نقلوا إلى مستشفى بور سعيد في مصر.

«لم يحدث قط شيء كهذا في فلسطين»، أخبر البريغادير بيفريدج دو مورون. وما إن تم تحديد القناة مصدراً للوباء حتى تحول الناس إلى الآبار الأرتوازية والمياه المستمدة من المحطة الزراعية الموجودة شمالي عكا. كما أُخضع اللاجئون من عكا، الموجودون في مخيمات شمالي المدينة، لفحوص طبية منعاً لانتشار الوباء.

مع تدهور المعنويات جرّاء وباء التيفوئيد والقصف العنيف، استجاب الناس للدعوة المنطلقة من مكبرات الصوت التي كانت تصرخ بهم: «استسلموا أو انتحروا. سنبيدكم حتى آخر رجل فيكم». وروى الملازم بوتيت، وهو مراقب فرنسي تابع للأمم المتحدة، أنه بعد سقوط المدينة بيد القوات اليهودية، تعرضت لحملة نهب منظمة واسعة النطاق قام بها الجيش، وشملت الأثاث، والملابس، وأي شيء قد يكون مفيداً للمهاجرين اليهود الجدد، أو من شأن أخذه أن يثني اللاجئين عن العودة.

جرت محاولة مشابهة لتسميم مصادر مياه غزة في 27 أيار ، لكنها أُحبطت. وقبض المصريون على يهوديين، دافيد حورِن وديفيد مِزْراحي، بينما كانا يحاولان تلويث آبار المياه في غزة بجراثيم التيفوئيد والديزنطاريا. وأخطر الجنرال يادين بن- غوريون، رئيس حكومة إسرائيل وقتئذ، بالحادثة، وسجّلها هذا في يومياته من دون تعليق. وأعدم المصريون اليهوديين لاحقاً، ولم تصدر عن الإسرائيليين احتجاجات رسمية.

كان إرنست دافيد بيرغمان مع الأخوين كاتسير، جزءاً من فريق عمل على تطوير قدرة إسرائيل البيولوجية الحربية، شكّله بن- غوريون في الأربعينات، ودُعي بالاسم الملطَّف «سِلْك الهاغاناه العلمي». وقد عُيّن إفرايم كاتسير مديراً له في أيار 1948، وأعيدت تسميته فأصبح يُدعى «حِيمدْ» (الأحرف الأولى في كلمتي «حِيلْ مادَعْ»، أي «سلاح العِلْم»). ولم يساهم هذا السلاح بصورة رئيسة في حملات سنة 1948، لكن إنتاجه المبكر دل على الطموحات التي ستسعى إسرائيل لتحقيقها في المستقبل في مجال الأسلحة غير التقليدية.

في الوقت الذي احتُلت عكا تقريباً، احتل لواء غولاني مدينة بيسان. وعلى غرار صفد، هوجمت المدينة بعد احتلال قرى كانت تقع في جوارها. وكانت القوات اليهودية، بعد نجاحها في احتلال حيفا وطبرية وصفد، واثقة بنفسها وفعالة جداً. وقد حاولت، مُسلّحة بالخبرة التي اكتسبتها بالطرد الجماعي، أن ترغم السكان على الرحيل بسرعة بإنذارهم بمغادرة بيوتهم خلال عشر ساعات. وسُلّم الإنذار إلى «أعيان المدينة»، أي إلى قلة من اللجنة القومية المحلية. ورفض هؤلاء الأعيان ذلك، وحاولوا على عجل تخزين مواد غذائية استعداداً لحصار طويل؛ وجهّزوا بعض الأسلحة، وفي الأساس مدفعان جلبهما إلى المدينة متطوعون، من أجل صد الهجوم الوشيك.

بعد قصف يومي عنيف، بما في ذلك قصف جوي، قررت لجنة بيسان المحلية الاستسلام. وكانت الهيئة التي اتخذت القرار مؤلفة من القاضي المحلي، وأمين سر البلدية، وأغنى تاجر في المدينة. واجتمعوا ببالتي سيلا وزملائه لمناقشة شروط الاستسلام (قبل الاجتماع، طالب الأعضاء بالسماح لهم بالسفر إلى نابلس لمناقشة الاستسلام، لكن طلبهم رُفض). وفي 11 أيار ، أصبحت المدينة تحت السيطرة اليهودية. وتذكّر بالتي سيلا بصورة خاصة المدفعين القديمين البائسين اللذين كان مأمولاً منهما حماية بيسان: مدفعان فرنسيان مضادان للطائرات من مخلّفات الحرب العالمية الأولى، يمثلان المستوى العام للأسلحة التي كانت في حيازة الفلسطينيين والمتطوعين العرب عشية دخول الجيوش العربية النظامية فلسطين.

بعد الاجتماع مباشرة، كان في استطاعة بالتي سيلا وزملائه الإشراف على «الطرد المنظَّم» لسكان المدينة. بعضهم تم ترحيله إلى الناصرة - وقتها كانت لا تزال مدينة فلسطينية حرة، لكن وضعها هذا تغير بعد فترة وجيزة - والبعض الآخر إلى جنين، لكن الغالبية طُردت إلى ما وراء الضفة الأُخرى لنهر الأردن القريب. ويتذكر شهود عيان حشوداً من بيسان، مذعورة ومهيضة الجناح، تتجه مسرعة نحو نهر الأردن، ومن هناك إلى مخيمات أقيمت على عجل في الأراضي الأردنية. لكن، بينما كانت القوات اليهودية مشغولة بعمليات أُخرى في الجوار، نجح عدد قليل جداً منهم في العودة؛ إذ كانت بيسان قريبة جداً من الضفة الغربية ونهر الأردن، وبالتالي كانت عودتهم متسللين من دون أن ينكشف أمرهم سهلة نسبياً. وقد نجحوا في البقاء حتى منتصف حزيران ، وعندئذ حمّلهم الجيش الإسرائيلي تحت تهديد السلاح في شاحنات وطردهم إلى ما وراء نهر الأردن مرة أُخرى.

خراب يافا

كانت يافا آخر مدينة يجري احتلالها، وحدث ذلك في 13 أيار، قبل يومين من انتهاء الانتداب. وعلى غرار كثير من المدن الفلسطينية، كان ليافا تاريخ طويل يرجع إلى العصر البرونزي، وتراث روماني وبيزنطي مثيران للإعجاب. وكان القائد المسلم، عمروبن العاص، هو من احتل المدينة سنة 632، وأكسبها صفتها العربية. وكانت يافا الكبرى تشتمل على أربع وعشرين قرية عربية وسبعة عشر مسجداً؛ لم يبق منها سوى مسجد واحد، بينما اختفت القرى جميعها من الوجود.

في 13 أيار هاجم 5000 جندي تابعين للهاغاناه والإرغون المدينة، بينما حاول متطوعون عرب بقيادة ميشال العيسى، وهو مسيحي محلي، الدفاع عنها. وكان بين المتطوعين وحدة استثنائية مكوّنة من 50 مسلماً من البوسنة، وعدد من أفراد الجيل الثاني من فرسان الهيكل (Templars)، وهؤلاء مستعمرون ألمان جاؤوا البلد في منتصف القرن التاسع عشر كمبشرين دينيين وقرروا الآن أن يدافعوا عن مستعمراتهم (استسلم فرسان آخرون في الجليل من دون قتال، وطردوا بسرعة من مستعمرتين جميلتين، فالدهايم وبيت لحم، غربي الناصرة).

--> إجمالاً، كان ثمة في يافا قوة دفاعية أكبر مما كان لدى الفلسطينيين في أي موقع آخر: 1500 متطوع في مقابل 5000 جندي يهودي. وصمدت المدينة ثلاثة أسابيع في وجه الحصار والهجوم الذي بدأ في أواسط نيسان وانتهى في أواسط أيار. وعندما سقطت طُرد جميع سكانها البالغ عددهم 50.000 نسمة «بمساعدة» وساطة بريطانية، الأمر الذي يعني أن هروبهم كان أقل فوضوية مما كان عليه الهروب في حالة حيفا. ومع ذلك، لم يخل الأمر من مشاهد مروعة تذكّر المرء بما حدث في ميناء حيفا في الشمال: حرفياً، أناس يُدفعون إلى البحر في أثناء محاولة الحشود الصعود إلى قوارب الصيد الصغيرة التي كانت ستنقلهم إلى غزة، بينما كانت القوات اليهودية تطلق النار فوق رؤوسهم لتسريع طردهم.

وبسقوط يافا، تم للقوات اليهودية إخلاء جميع مدن وبلدات فلسطين الرئيسة وطرد سكانها. ولم تقع عيون الغالبية الساحقة من سكانها - من جميع الطبقات والمذاهب الدينية والمهن- على مدنها مرة أُخرى. غير أن الأكثر تسيّساً بينهم سيقومون بدور تكويني في عودة الحركة الوطنية الفلسطينية إلى الظهور في صيغة منظمة التحرير الفلسطينية، وبالمطالبة أولاً وقبل كل شيء بحق العودة.

التطهير يستمر

بحلول نهاية آذار كانت العمليات العسكرية اليهودية دمرت الكثير من أرياف يافا وتل أبيب. وكان هناك تقسيم واضح للعمل بين الهاغاناه والإرغون. وبينما كانت الهاغاناه تتحرك بطريقة منظمة من مكان إلى آخر وفقاً لخطة موضوعة، تُركت للإرغون حرية القيام بعمليات متفرقة في القرى الواقعة خارج نطاق الخطة الأصلية. وهذا يفسر كيف وصلت الإرغون إلى قرية الشيخ مونِّس (أو مونيس، كما تسمى اليوم) في 30 آذار وطردت سكانها بالقوة. واليوم سيجد المرء حرم جامعة تل أبيب الأنيق ممتداً فوق بقايا القرية، بينما تحوّل أحد المباني القليلة الباقية إلى ناد لأساتذة الجامعة.

ولو لم يكن هناك تفاهم ضمني بين الهاغاناه والإرغون، لربما كان في الإمكان إنقاذ الشيخ مونس. فقد كان رؤساء القرية بذلوا جهداً كبيراً لإقامة علاقات ودية مع الهاغاناه لتفادي طرد سكانها، لكن «المستعربين» الذين أبرموا المعاهدة اختفوا كلياً عندما حضرت الإرغون وطردت سكان القرية برمتهم.

وكانت العمليات التي نفذت في الريف في نيسان متصلة في شكل أوثق بتدمير المدن الفلسطينية. فالقرى الواقعة بالقرب من المراكز الحضرية كانت تُحتل ويُطرد سكانها، وأحياناً تتعرض لمجازر، في حملة إرهابية مصمَّمة لتمهيد الأرض لاحتلال ناجح للمدن.

اجتمعت الهيئة الاستشارية مرة أُخرى يوم الأربعاء في 7 نيسان 1948، وقررت طرد سكان القرى الواقعة على طريق تل أبيب - حيفا، وطريق جنين - حيفا، وطريق القدس - يافا، وتدميرها كلها. وفي نهاية الأمر، لم ينج من التدمير والطرد سوى حفنة ضئيلة من هذه القرى.

وهكذا، في الوقت الذي محت الإرغون الشيخ مونس، احتلت الهاغاناه ست قرى في هذه المنطقة خلال أسبوع. وكانت أولاها خربة عزّون التي احتُلت في 2 نيسان ، وتبعتها خربة لِدْ، وعرب الفقراء، وعرب النفيعات، وعرب ظهرة الضميري، وجميعها طُهّرت في 10 نيسان ، وشركِس في 15 منه. وبحلول نهاية الشهر كان تم احتلال وتدمير ثلاث قرى أُخرى في جوار يافا وتل أبيب: خربة منشية، وبيار عدس، ومِسْكة الكبيرة.

وهذا كله جرى قبل أن يدخل أي جندي عربي نظامي فلسطين. وبعد القرى الأخيرة المذكورة يصبح من الصعب تتبع الخطى التالية، سواء على معاصري الأحداث أو على المؤرخين اللاحقين. إنما بين 30 آذار و15 أيار احتُلت 200 قرية وطرد سكانها. وهذه حقيقة يجب تكرارها لأنها تقوّض الخرافة الإسرائيلية بأن العرب هربوا عندما بدأ «الغزو العربي». إن نصف القرى العربية تقريباً كان هوجم قبل أن تقرر الحكومات العربية أخيراً، وعلى مضض كما نعرف، إرسال قواتها. وسيتم محو تسعين قرية أُخرى بين 15 أيار و11 حزيران (يونيو) 1948، عندما وُضعت الهدنة الأولى أخيراً موضع التنفيذ.

يتذكر شهود عيان في الجانب اليهودي أنهم كانوا يعتقدون بوضوح خلال نيسان أن الجيش الإسرائيلي كان في استطاعته أن يفعل أكثر. وفي مقابلة حديثة [نسبياً- المترجم] أجراها مؤرخون رسميون مع بالتي سيلا، ويمكن العثور عليها في أرشيفات الهاغاناه في تل أبيب، استخدم لغة عاطفية لاستحضار جو الحماسة المفرطة. وكان بالتي سيلا أحد أفراد القوات اليهودية التي احتلت مدينة بيسان «طهرتها»، والتي أُمرت بطرد العشائر البدوية الكبيرة التي كانت تقطن في تلك المنطقة منذ قرون. يقول سيلا في المقابلة:

بعد أن «طهرنا» المنطقة من العشائر البدوية بقي جرح بيسان المتقيح (استخدم المفردة في لغة الييديش التي تعني ذلك fanunkel): ملوَّثاً بقريتين، فرونة والسامرية. لم يبد عليهما أنهما كانتا خائفتين، واستمرتا في زراعة حقولهما واستخدام الطرقات.

سيرين كانت واحدة من القرى التي احتُلت خلال هذه الهجمات في الشرق. وتلخص قصتها المصير الذي لاقته عشرات من القرى التي طردت القوات اليهودية سكانها في مرج ابن عامر وسهل بيسان، حيث يبحث المرء اليوم عبثاً عن أي أثر للحياة الفلسطينية التي كانت مزدهرة هناك.

قرية سيرين

--> احتُلت سيرين في 12 أيار 1948. كانت تقع بالقرب من بيسان في واحدة من أراضي الجِفتلك. وكانت هذه الأراضي، التي يشار إليها أحياناً باسم أراضي «المدَوَّر»، تخص اسمياً السلطان العثماني، بيد أن الفلاحين الفلسطينيين كانوا هم الذين يزرعونها.

اشتهرت سيرين بكونها نموذجاً رائعاً للنظام التعاوني القائم على التشارك في الأرض، والذي تمسّك به القرويون، وهو يرجع إلى العهد العثماني. ولم ينجح في القضاء عليه تحول الزراعة المحلية إلى الطرائق الرأسمالية، ولا الاندفاع الصهيوني للحصول على الأراضي. وكان في القرية ثلاثة بساتين غنية بأشجار الفواكه وكروم الزيتون، تمتد على أكثر من 9000 دونم من الأرض المزروعة (من مجموع 17.000 دونم). وكانت الأراضي ملكاً للقرية كمجموع، وحصة العائلة من المحاصيل ومساحة الأرض تتقرر بناء على حجم العائلة.

وكان لسيرين علاقات جيدة بالجميع. وقد كانت العائلة الرئيسة، عائلة الزعبي، موعودة بحصانة للقرية من جانب الوكالة اليهودية، لأنها كانت تنتمي إلى عشيرة متعاونة. فالمختار مبارك الحاج الزعبي، الذي كان شاباً متعلماً، وعلى علاقة وثيقة بأحزاب المعارضة، كان صديقاً لرئيس بلدية حيفا، شبتاي ليفي، منذ يوم كانا يعملان في شركة البارون روتشيلد. وكان متأكداً من أن سكان القرية، البالغ عددهم 700 نسمة، سيُجنَّبون المصير الذي لاقته القرى المجاورة. لكن كان هناك في القرية عشيرة أُخرى، حمولة أبو الهيجاء، التي كانت أكثر ولاء للمفتي السابق، الحاج أمين الحسيني، وللحزب العربي الفلسطيني. وبحسب ملف الهاغاناه لسنة 1943 الخاص بقرية سيرين، فإن وجود هذه العشيرة هو الذي حكم عليها بالهلاك. ولحظ الملف أن في سيرين عشرة أشخاص من حمولة أبو الهيجاء شاركوا في ثورة 1936، وأن «أياً منهم لم يُعتقل أو يُقتل، وأنهم يحتفظون ببنادقهم.»

كانت القرية تعاني بين حين وآخر جرّاء الخصومات بين الحمولتين الرئيستين. لكن، كما حدث في أنحاء فلسطين كافة، فإن الأمور تحسنت بعد الثورة العربية الكبرى. ومع حلول نهاية الانتداب كانت القرية تجاوزت الانقسامات التي مزقتها خلال فترة الثلاثينات العاصفة.

وأمل مختار سيرين بأن تتعزز حصانة القرية أيضاً جرّاء وجود عشيرة مسيحية صغيرة فيها كانت على علاقة ممتازة ببقية السكان. وكان أحد أفرادها معلم القرية، وكان يربي تلاميذ الصف البالغ عددهم 40 تلميذاً، من دون أي أثر لتحامل سياسي أو ارتباط عشائري. وكان صديقه المفضل الشيخ محمد المصطفى، إمام الجامع المحلي وحارس الكنيسة المحلية والدير اللذين كانا موجودين أيضاً داخل القرية.

هذا العالم الصغير من التعايش الديني والانسجام تم تدميره تماماً خلال ساعات قليلة معدودة. لم يقاتل القرويون. جمعت القوات اليهودية المسلمين- من الحمولتين- والمسيحيين معاً وأمرتهم بالتوجه إلى نهر الأردن وعبوره إلى الجانب الآخر. ومن ثم نسفت المسجد والكنيسة والدير والبيوت كافة. ولم تلبث الأشجار في البساتين أن جفت وماتت.

اليوم، يحيط سياج من الصبار بالأنقاض التي كانت ذات يوم قرية سيرين. ولم ينجح اليهود قط في تكرار نجاح الفلسطينيين في التشبث بالتربة الوعرة في الوادي، لكن الينابيع القائمة في الجوار لا تزال هناك - منظر موحش يبعث خلوه من البشر الرهبة في النفس.

إلى الغرب من سيرين، في مرج ابن عامر (عيمك يزراعيل)، فعل فوزي القاوقجي كل ما في وسعه للحد من الاحتلالات اليهودية، وشن عدة هجمات فاشلة على الكيبوتس اليهودي الوحيد الموجود في المنطقة، مِشْمار هَعيمِكْ. وفي واحدة من المرات التي تعرض فيها الكيبوتس للقصف بواسطة المدفع الوحيد الذي كان في حيازة القاوقجي، قتلت قذيفة مباشرة ثلاثة أطفال. وهذه المأساة المروعة سيجدها المرء مذكورة في كتب التاريخ الرسمية باعتبارها الحادثة الوحيدة العدائية التي وقعت في هذه المنطقة.

لم تساهم القرى المجاورة كثيراً في الجهود التي بذلها جيش الإنقاذ لينقل أخباراً طيبة من جبهة القتال إلى جامعة الدول العربية التي أرسلته. وفي الواقع، كثير منها وقّع معاهدات عدم اعتداء مع الكيبوتسات المجاورة له. لكن هجوم جيش الإنقاذ على مِشْمار هَعيمك أشعل الغضب والرغبة في الانتقام في نفوس أعضاء الكيبوتسات، وبالتالي لم تعد تلك القرى آمنة من العدوان المتمادي في السهل. وحث أعضاء الكيبوتسات القوات اليهودية على مواصلة التطهير العرقي الذي بدأته في شرق المنطقة. وكان كثير من الكيبوتسات في هذا الجزء من الجليل تابعاً للحزب الصهيوني الاشتراكي «هَشومير هَتْسَعير»، الذي حاول بعض أعضائه اتخاذ موقف أكثر إنسانية. وفي تموز (يوليو)، اشتكى عدد من أعضاء مبام البارزين إلى بن - غوريون ما اعتقدوا أنه توسيع «لا لزوم له» لعملية التطهير. وسارع بن - غوريون إلى تذكير هؤلاء الكيبوتسيين من أصحاب الضمير أنهم هم أنفسهم كانوا مسرورين من انطلاق المرحلة الأولى في المنطقة في نيسان السابق. وفي الحقيقة، لو كنتَ يهودياً صهيونياً في سنة 1948، لكان معنى ذلك شيئاً واحداً، وشيئاً واحداً فقط: الالتزام الكامل بتطهير فلسطين من العرب.

في حيفا وحواليها اكتسبت عملية التطهير العرقي زخماً شديداً، وشكلت سرعتها القاتلة نذيراً بالدمار الآتي. خمس عشرة قرية- بعضها صغير لا يتعدى عدد سكان القرية فيه 300 نسمة، وبعضها كبير جداً، يتجاوز عدد سكان القرية فيه الـ5000 نسمة - طُرد سكانها بسرعة الواحدة تلو الأُخرى. أبو شوشة؛ أبو زريق؛ عرب الفقراء؛ عرب النفيعات؛ عرب ظهرة الضميري، بلد الشيخ؛ الدامون؛ خربة الكساير؛ خربة منشيّة؛ الريحانية؛ خربة الشركس؛ خربة سعسع؛ وعرة السريس؛ ياجور؛ هذه القرى كلها مسحت من خريطة فلسطين داخل قضاء ملآن بالجنود البريطانيين، ومبعوثي الأمم المتحدة، والمراسلين الأجانب.

ولدينا سجلات تشتمل على إدانات لفظية من ساسة صهيونيين من تلك الفترة أقلقهم الأمر، وزودت «المؤرخين الجدد» بمادة عن الأعمال الوحشية لم يجدوها في أية مصادر أرشيفية أُخرى. وتبدو اليوم وثائق الشكوى هذه أقرب إلى محاولة من جانب ساسة وجنود «حسّاسين» لإراحة ضمائرهم. وهي تشكل جزءاً من عاطفة إسرائيلية يمكن وصفها بعبارة «يطلقون النار ويبكون»، التي نستعيرها من عنوان مجموعة أقوال يُفترض أنها تعبر عن ندم أخلاقي لجنود إسرائيليين شاركوا في عمليات تطهير عرقي ضيقة النطاق في حرب حزيران 1967. وقد دُعي الضباط والجنود المعنيون وقتئذ من جانب الكاتب الإسرائيلي الشهير عاموس عوز وأصدقائه إلى ممارسة «طقس تبرئة» Exoneration في «البيت الأحمر» قبل أن يُهدم.

الجزء السابع

مجزرة عين الزيتون

تعتبر مجزرة عين الزيتون الأكثر شهرة لأن قصتها شكلت الأساس للرواية الملحمية الوحيدة عن النكبة حتى الآن، وهي رواية «باب الشمس» للكاتب الياس خوري. كما أن ثمة عرضاً لما حدث في القرية في القصة القصيرة الإسرائيلية شبه المتخيَّلة عن تلك الفترة، «بين العُقد»، للكاتبة نِتيفا بن- يهودا. وقد جرى تحويل رواية «باب الشمس» إلى فيلم من إنتاج فرنسي- مصري مشترك (إخراج يسري نصر الله- «المحرر»). وتشبه المشاهد في الفيلم كثيراً الوصف الذي نجده في قصة «بين العُقد»، واستندت فيه بن- يهودا، إلى حد كبير، إلى التقارير المحفوظة في الأرشيفات العسكرية، وإلى ذكريات رُويت شفهياً. ويبرز الفيلم أيضاً بصدق جمال القرية، التي تقع في واد عميق ضيق يشطر جبال الجليل المرتفعة على الطريق ما بين ميرون وصفد، ويترقرق فيه جدول من المياه العذبة محاط ببرك مياه معدنية حارة.

الموقع الاستراتيجي، على بعد ميل واحد إلى الغرب من صفد، جعل قرية الزيتون هدفاً مثالياً للاحتلال. وكانت مشتهاة من المستوطنين اليهود المحليين، الذين كانوا شرعوا في شراء الأراضي المجاورة، وكانت علاقتهم بالقرويين مضطربة مع اقتراب الانتداب البريطاني من نهايته. ووفرت عملية «مِكنسة» (مَطْأطي) الفرصة في 2 أيار/مايو 1948 لوحدة النخبة التابعة للهاغاناه، البالماخ، لا لتطهير القرية وفقاً للخطة دالِتْ فحسب، بل أيضاً لتصفية «حسابات قديمة» مصدرها العداء الذي أبداه القرويون الفلسطينيون تجاه المستوطنين.

أُوكلت العملية إلى موشيه كالمان، الذي كان أشرف بنجاح على الهجمات الوحشية على الخصاص وسعسع والحسينية في المنطقة نفسها. وواجهت قواته مقاومة ضعيفة جداً، لأن المتطوعين السوريين الذين كانوا متمركزين هناك غادروا على عجل عندما بدأت القرية بالتعرض للقصف فجراً: قصف عنيف بمدافع الهاون، تبعه وابل منتظم من القنابل اليدوية. ودخلت قوات كالمان القرية حوالى الظهر. وخرج النساء والأطفال والشيوخ وعدد قليل من الشبان لم يغادروا مع المتطوعين السوريين من مخبئهم يلوحون بعلم أبيض، وسيقوا على الفور إلى ساحة القرية.

يستحضر الفيلم روتين التحري والاعتقال- في هذه الحالة التحري والإعدام- كما كانت تتبعه وحدات الاستخبارات التابعة للهاغاناه. أولاً، أحضروا مخبراً مغطى الرأس أخذ يتمعن في الرجال المصفوفين في ساحة القرية، وتم التعرف إلى الأشخاص الذين كانت أسماؤهم مكتوبة في القائمة المعدة سلفاً والتي أحضرها ضباط الاستخبارات معهم. ومن ثم أُخذ الرجال المختارين إلى مكان آخر وأُعدموا. وعندما حاول رجال آخرون التمرد أو الاحتجاج، قُتلوا هم أيضاً. وثمة حادثة شخّصها الفيلم بصورة مؤثرة جداً: عندما أخبر أحد القرويين، يوسف أحمد حجّار، الذين أسروه أنه، مثل الآخرين، استسلموا وبالتالي «يتوقعون أن يعاملوا بطريقة إنسانية»، صفعه قائد قوة البالماخ وأمره، عقاباً له، باختيار سبعة وثلاثين مراهقاً بصورة عشوائية. وبعد أن أرغم بقية القرويين على دخول مستودع جامع القرية، قُتل المراهقون رمياً بالرصاص وأيديهم موثقة خلف ظهورهم.

وفي كتاب من تأليف هانس ليبْريخت، نجد وصفاً مقتضباً لمظهر آخر من مظاهر الوحشية. شرح ليبريخت قائلاً: «في نهاية أيار 1948، أمرتني الوحدة العسكرية التي كنت أخدم فيها ببناء محطة ضخ موقتة، وتحويل مجرى جدول القرية المهجورة، عين الزيتون، من أجل تزويد الكتيبة بالمياه. وكانت القرية مدمرة كلياً، وكان هناك بين الأنقاض جثث كثيرة. وعلى وجه التخصيص وجدنا الكثير من جثث النساء والأطفال والأطفال الرضّع بالقرب من الجامع الحالي، وأقنعت الجيش بإحراق الجثث.»

هذا الوصف الواضح جداً نجد مثله أيضاً في تقارير الهاغاناه العسكرية. لكن، من الصعب معرفة كم من سكان عين الزيتون أُعدموا فعلاً. فالوثائق العسكرية تذكر أن إجمالي عدد الذين قُتلوا رمياً بالرصاص، بمن في ذلك الذين أُعدموا، يبلغ سبعين شخصاً؛ بينما تذكر مصادر أُخرى، رقماً أكبر كثيراً. لقد كانت نِتيفا بن- يهودا عضواً في البالماخ؛ وكانت في القرية عندما حدثت الإعدامات، لكنها فضّلت أن تسرد القصة بشكل روائي. وعلى أي حال، فإن قصتها تعرض وصفاً تفصيلياً مرعباً للطريقة التي قتل فيها الرجال رمياً بالرصاص بينما كانوا مقيدي الأيدي. وتذكر أن عدد الذين أُعدموا كان مئات:

لكن يوناثان واصل الصراخ، وفجأة استدار معطياً ظهره لميركي، وسار مبتعداً وقد تملكه غضب شديد، مستمراً في شكواه: «إنه فقد عقله! مئات من الناس مستلقين هناك مقيدين! إذهب واقتلهم! إذهب واقضِ على مئات من الناس! إن مجنوناً فقط هو من يقتل أناساً مقيدين هكذا، ومجنوناً فقط هو من يبدد كل هذه الذخيرة عليهم!... لا أعرف في من يفكرون، من سيأتي للتفتيش، لكني أدرك أن أمراً ما صار ملحاً؛ أنه فجأة يتعين علينا أن نفك الرباط من على أيدي وأرجل أسرى الحرب هؤلاء. وعندئذ علمت أنهم كانوا جميعاً موتى، «المشكلة انحلت».

وبحسب هذه الرواية فإن المذبحة، كما نعرف أيضاً من كثير من أعمال القتل الجماعي الأُخرى، لم تحدث فقط كـ «عقاب» على «صفاقة»، بل أيضاً لأن الهاغاناه لم يكن لديها بعد معسكرات اعتقال لأسرى الحرب تستوعب العدد الكبير من الأسرى القرويين. لكن، حتى بعد إنشاء معسكرات كهذه، فإن مذابح كانت تحدث عندما يتم أسر عدد كبير من القرويين، كما في حالتي الطنطورة والدوايمة بعد 15 أيار 1948.

إن مرويّات التاريخ الشفهي التي زودت الياس خوري بمادة «باب الشمس»، تعزز الانطباع بأن المادة الأرشيفية لا تخبرنا بالقصة كاملة: إنها مقتضبة في ما يتعلق بالوسائل المستخدمة، ومضللة بالنسبة إلى عدد الأشخاص الذين قتلوا في ذلك اليوم المشؤوم من أيار 1948.

وكما سبق أن ذكرنا، كانت كل قرية تشكل سابقة وتصبح جزءاً من نمط أو نموذج من شأنه تسهيل عمليات الطرد الجماعي المنهجي. في عين الزيتون، أُخذ القرويون إلى طرف القرية، ومن ثم أخذ الجنود يطلقون النار فوق رؤوسهم بعدما أمروهم بالفرار. وهنا أيضاً جرى اتباع الإجراءات الروتينية: جُرّد الناس من جميع أمتعتهم قبل أن يتم نفيهم من وطنهم.

في وقت لاحق احتل البالماخ القرية المجاورة، بيرْيا. وكما في عين الزيتون، صدر الأمر بإحراق جميع البيوت بغية إضعاف معنويات العرب في صفد. ولم يبق في المنطقة سوى قريتين. وواجهت الهاغاناه الآن مهمة أكثر تعقيداً: كيف تفرض التجانس السكاني في، أو بالأحرى كيف «تهوِّد»، منطقة مرج ابن عامر والسهول الفسيحة الممتدة بين الوادي ونهر الأردن، شرقاً حتى بيسان المحتلة، وشمالاً حتى الناصرة، التي كانت لا تزال مدينة حرة في ذلك الوقت.

كان يغئيل يادين هو الذي طلب في نيسان (أبريل) القيام بمجهود أشد تصميماً لتطهير هذه المنطقة (الشمالية) الواسعة من السكان. ويبدو أنه شك في أن القوات ليست متحمسة بما فيه الكفاية، فكتب مباشرة إلى عدد من أعضاء الكيبوتسات الواقعة في الجوار للتحقق مما إذا كانت القوات احتلت ودمرت فعلاً القرى التي أُمرت بتدميرها.

لكن تردُّد الجنود لم يكن بسبب فقدان الحافز أو الحماسة. فقد كان ضباط الاستخبارات، في الحقيقة، هم الذين وضعوا قيوداً على العمليات. ففي جزء من المنطقة، خصوصاً بالقرب من مدينة الناصرة، وجنوباً حتى العفولة، كان هناك عشائر تعاونت- إقرأ: «تعاونت مع عدو»- معهم لأعوام كثيرة. فهل يجب طردها هي أيضاً؟

المسؤولية البريطانية

هل علم البريطانيون بالخطة دالِتْ؟

يفترض المرء أنهم علموا، لكن ليس من السهل إثبات ذلك. غير أنه من اللافت جداً أن البريطانيين أعلنوا بعد أن تم تبني الخطة دالِتْ أنهم لم يعودوا مسؤولين عن الأمن والنظام العام في المناطق التي كانت قواتهم لا تزال مرابطة فيها، وقَصَروا نشاطهم على حماية هذه القوات. وكان ذلك يعني أن حيفا ويافا والمنطقة الساحلية الواقعة بينهما بأسرها باتت مساحة مكشوفة تستطيع القيادة الصهيونية أن تطبق فيها الخطة دالِتْ من دون خوف من أن يحبطها الجيش البريطاني، أو حتى من مواجهة معه. والأسوأ أن اختفاء البريطانيين من الريف والمدن كان معناه انهيار القانون والنظام العام كلياً في أنحاء فلسطين كافة. وعكست الصحف التي كانت تصدر آنذاك، مثل صحيفة «فلسطين»، قلق الناس من ازدياد جرائم كالسرقة والسطو على المنازل في المراكز الحضرية، والنهب في أرجاء القرى. كما أن انسحاب رجال الشرطة البريطانيين من المدن والبلدات كان يعني أيضاً، على سبيل المثال، أن كثيرين من الفلسطينيين لم يعودوا قادرين على قبض رواتبهم في البلديات المحلية لأن مكاتب الخدمات الحكومية كانت في معظمها موجودة في الأحياء اليهودية حيث يمكن أن يتعرضوا للاعتداء.

بالتالي لا عجب من أن المرء لا يزال يسمع فلسطينيين يقولون اليوم: «المسؤولية الرئيسية عن نكبتنا تقع على عاتق الانتداب البريطاني»، كما عبر عن ذلك جمال خضورة، اللاجئ من قرية سحماتا الواقعة بالقرب من عكا. وقد حمل إحساسه هذا بأنه تعرض للخيانة طوال حياته، وعبر عنه أمام لجنة تحقيق بريطانية مشتركة لمجالس الشرق الأوسط البرلمانية شكلت في سنة 2001 لتقصي الحقائق في شأن اللاجئين الفلسطينيين. وكرر لاجئون آخرون أدلوا بشهاداتهم أمام اللجنة الاتهام واللوم لبريطانيا، وعبروا هم أيضاً عن إحساسهم بالمرارة.

وفي الحقيقة، امتنع البريطانيون من القيام بأي تدخل جدي منذ تشرين الأول (أكتوبر) 1947، ولم يحركوا ساكناً في وجه محاولات القوات اليهودية السيطرة على المخافر الأمامية، كما لم يحاولوا إيقاف تسلل متطوعين عرب بأعداد قليلة. وفي كانون الأول (ديسمبر)، كان لا يزال لديهم 75.000 جندي في فلسطين، لكن جهدهم كان مقصوراً فقط على حماية جلاء الجنود والضباط والموظفين البريطانيين.

وساهم البريطانيون أحياناً بطرق أُخرى، مباشرة أكثر، في التطهير العرقي بتزويدهم القيادة اليهودية بصكوك الملكية ومعطيات حيوية أُخرى، كانوا استخرجوا نسخاً فوتوغرافية عنها قبل إتلافها، على جري عادتهم عندما كانوا ينهون استعمارهم لبلد ما. وأضافت هذه البيانات المفصلة إلى ملفات القرى ما كان الصهيونيون بحاجة إليه لتنفيذ الطرد الجماعي واسع النطاق. إن القوة العسكرية، الوحشية في هذه الحالة، هي المتطلَّب الأول للطرد والاحتلال، غير أن البيروقراطية لا تقل أهمية عنها من أجل التنفيذ الفعال لعملية تطهير ضخمة تتضمن لا سلب الناس فحسب، بل إعادة ترتيب ملكية الغنائم أيضاً.

الأمم المتحدة

بموجب قرار التقسيم، كان ينبغي للأمم المتحدة أن تكون حاضرة على الأرض لتشرف على تنفيذ خطتها للسلام، أي جعل فلسطين بكاملها بلداً مستقلاً، يشتمل على دولتين متميزتين تجمعهما وحدة اقتصادية. وتضمن القرار الصادر في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 أموراً إلزامية واضحة جداً، منها التعهد بأن تمنع الأمم المتحدة أية محاولة من أي الطرفين لمصادرة أراض تعود ملكيتها إلى مواطني الدولة الأُخرى، أو أية مجموعة قومية أُخرى- سواء كانت أراضي مزروعة أو غير مزروعة، أي أراضي مُراحة من غير زرع لمدة عام تقريباً.

وإنصافاً لممثلي الأمم المتحدة المحليين، يمكن القول إنهم على الأقل شعروا بأن الأمور تتجه من سيئ إلى أسوأ، فحاولوا الدفع في اتجاه إعادة تقويم سياسة التقسيم، لكنهم عملياً لم يقوموا بأكثر من المراقبة وإرسال تقارير عن بدء التطهير العرقي. وكان وجود الأمم المتحدة في فلسطين محدوداً لأن السلطات البريطانية منعت وجود فريق منظم من المنظمة الدولية على الأرض، متجاهلة بذلك الجزء من قرار التقسيم القاضي بوجود لجنة من الأمم المتحدة في فلسطين. سمحت بريطانيا بحدوث التطهير العرقي الذي جرى تحت بصر وسمع جنودها وموظفيها خلال فترة الانتداب التي انتهت في منتصف ليل 14 أيار 1948، كما أنها أعاقت جهود الأمم المتحدة للتدخل بطريقة كان من الممكن أن تؤدي إلى إنقاذ أعداد من الفلسطينيين. أمّا الأمم المتحدة، فلا يمكن تبرئتها من ذنب التخلي، بعد 15 أيار، عن الشعب الذي قسّمت أرضه وسلّمت أرواحه وأرزاقه إلى اليهود الذين كانوا، منذ نهاية القرن التاسع عشر، يريدون اقتلاعه والحلول مكانه في البلد الذي كانوا يعتقدون أنه ملك لهم.

لا بد من أن يكون اتضح الآن أن الأسطورة التأسيسية الإسرائيلية في شأن الهروب الطوعي للفلسطينيين في لحظة بدء الحرب- استجابة لدعوة الزعماء العرب إلى إخلاء الطريق أمام الجيوش الغازية- لا أساس لها من الصحة. إنها تلفيق محض من أجل القول إنه جرت محاولات يهودية، كما تصر الكتب المدرسية الإسرائيلية على الادعاء، لإقناع الفلسطينيين بالبقاء. فكما رأينا، كان مئات الآلاف من الفلسطينيين قد طردوا فعلاً بالقوة قبل أن تبدأ الحرب، وسيطرد عشرات الآلاف في الأسبوع الأول منذ بدئها. وبالنسبة إلى معظم الفلسطينيين، لم يكن تاريخ 15 أيار 1948 ذا أهمية خاصة وقتها: كان مجرد يوم آخر في الروزنامة المرعبة للتطهير العرقي الذي كان بدأ قبل أكثر من خمسة أشهر. -->

أيام التطهير (طيهور)

«طيهور» كلمة عبرية تعني التطهير. بعد إعلان إقامة الدولة اليهودية مساء يوم 14 أيار/مايو، كانت الأوامر التي تلقتها الوحدات في الميدان من الأعلى تستخدم هذا التعبير بصورة متكررة وبصراحة. وقد اختارت القيادة العليا هذا النوع من اللغة كي تشحن الجنود الإسرائيليين بالطاقة قبل أن ترسلهم لتدمير الريف الفلسطيني والمناطق الحضرية. وكان هذا التصعيد في الخطاب الاختلاف الوحيد عن الشهر السابق. أمّا عمليات التطهير فقد تواصلت بلا هوادة.

استمرت الهيئة الاستشارية في عقد اجتماعاتها، لكن بوتيرة أقل، لأن الدولة اليهودية أصبحت أمراً واقعاً(fait accompli) ، لها حكومة، ومجلس وزاري، وقيادة عسكرية، وأجهزة سرية، إلخ، وكل في مكانه. ولم يعد أعضاؤها مشغولين بخطة الطرد الرئيسية، إذ إن الخطة دالِتْ، منذ وضعها موضع التنفيذ، كان كل شيء فيها يسير على ما يرام، ولم تعد بحاجة إلى تنسيق أو توجيه. وتركز اهتمامهم الآن على تفحص ما إذا كان لديهم قوات كافية لتحمّل «الحرب» على جبهتين: ضد الجيوش العربية، وضد المليون فلسطيني الذين أصبحوا في 15 أيار، بموجب القانون الدولي، مواطنين إسرائيليين. لكن بحلول نهاية أيار، كانت حتى هذه المخاوف قد تبددت.

وإذا كان ثمة جديد طرأ على طريقة عمل الهيئة الاستشارية، فإنه لم يتعدّ الانتقال إلى مبنى جديد قائم على قمة هضبة مشرفة على قرية الشيخ مونّس، التي تم إخلاؤها. وقد صار هذا المبنى، بعد إعلان الدولة، المقر الرئيسي لهيئة أركان الجيش الإسرائيلي. ومن هذا الموقع المتميز، كان في استطاعة الهيئة الاستشارية أن تراقب عملياً الهجوم الذي بدأ في الأول من أيار ضد القرى الفلسطينية المجاورة. ولم يكن هذا الهجوم هو الوحيد الذي نفذ في ذلك اليوم، إذ تزامنت معه عمليات مماثلة في الشرق والشمال. وفي وقت لاحق كُلِّف لواء ألكسندروني مهمة تطهير القرى الواقعة إلى الشرق والشمال من تل أبيب ويافا. وبعد ذلك، أُمر بالتحرك شمالاً والبدء، مع وحدات أُخرى، بإخلاء الساحل الفلسطيني من السكان الفلسطينيين صعوداً حتى مدينة حيفا.

وصلت الأوامر إلى اللواء في 12 أيار. «يجب أن تحتلوا وتدمروا خلال 14 و15 أيار: الطيرة؛ قلنسوة؛ قاقون؛ إيراتا؛ دنابه؛ قطبا؛ الشويكة. وعلاوة على ذلك، يجب أن تحتلوا قلقيلية، لكن لا تدمروها [المدينة في الضفة الغربية التي فشل لواء ألكسندروني في احتلالها والمحاطة اليوم كلياً بجدار عازل أقامته إسرائيل، يبلغ ارتفاعه ثمانية أمتار]». وخلال يومين وصل الأمر الثاني إلى رئاسة أركان لواء ألكسندروني: «عليكم أن تهاجموا وتطهروا كلاً من طيرة حيفا؛ عين غزال؛ إجزم؛ كفر لام؛ جبع؛ عين حوض؛ المزار.»

وباستعادة الطريق الذي اتبعه اللواء، يبدو أن القوات فضلت تنظيف المنطقة بصورة منهجية من الجنوب إلى الشمال، وإنجاز تدمير القرى بالترتيب الذي بدا صحيحاً من وجهة نظرها، بدلاً من اتباع التعليمات حرفياً في ما يتعلق بأي قرى يجب مهاجمتها أولاً. وبما أن القائمة بكاملها كانت الهدف الإجمالي، فإنه لم تُذكر أولويات واضحة. وقد بدأ ألكسندروني بقريتين واقعتين إلى الشمال والشرق من تل أبيب: كفر سابا وقاقون، اللتين طُرد سكانهما كما يجب. وادعت الأمم المتحدة أن حالة اغتصاب حدثت في أثناء احتلال قاقون، وعززت شهادات أدلى بها جنود يهود هذه الواقعة.

كان إجمالي عدد القرى في المنطقة الممتدة بين تل أبيب وحيفا أربعاً وستين قرية، في مستطيل من الأرض يبلغ طوله 100 كلم وعرضه 15 - 20 كلم، أُبقي منها في نهاية المطاف قريتان فقط: الفريديس وجسر الزرقاء. وكان من المقرر طرد سكانهما أيضاً، لكن أعضاء المستوطنات اليهودية المجاورة أقنعوا قادة الجيش بعدم المساس بهما، مدَّعين أنهم بحاجة إلى القرويين للقيام بأعمال لا تتطلب مهارة في مزارعهم ومنازلهم. واليوم يخترق هذا المستطيل طريقان سريعان رئيسيان يصلان بين المدينتين الرئيستين، تل أبيب وحيفا: الطريق السريع رقم 2 والطريق السريع رقم 4. ويستخدم هذين الطريقين يومياً مئات الآلاف من الإسرائيليين في تنقلاتهم من دون أن يكون لديهم أية فكرة عن الأماكن التي يعبرونها، ناهيك عن تاريخها. وقد حلّت مستعمرات يهودية وغابات صنوبر وبرك تجارية لتربية الأسماك محل المجتمعات الفلسطينية التي كانت ذات يوم مزدهرة هناك.

كانت سرعة تقدم لواء ألكسندروني في تطهير المستطيل الساحلي مرعبة- خلال النصف الثاني من الشهر وحده، طهّر القرى التالية: المنشية (في منطقة طولكرم)؛ البطيمات؛ خربة المنارة؛ قنير؛ خربة قمبازة؛ خربة الشونة. وقد قاوم عدد قليل من القرى بشجاعة فلم يتمكن لواء ألكسندروني من احتلالها؛ إلاّ إنها في النهاية احتُلت في تموز (يوليو) وجرى تطهيرها. خلاصة القول: مرت عمليات التطهير العرقي في السهل الساحلي الأوسط بمرحلتين: الأولى في أيار، والثانية في تموز، وفي النصف الثاني من أيار، كانت «الغنيمة» الكبرى قرية الطنطورة، التي احتلها لواء ألكسندروني في 22 أيار 1948.

مجزرة في الطنطورة

كانت الطنطورة بالنسبة إلى لواء ألكسندروني عالقة «كعظمة في الحلق»، على حد ما جاء في الكتاب الرسمي الذي يروي تاريخ لواء ألكسندروني في الحرب. وجاء دور الطنطورة في 22 أيار/مايو.

كانت الطنطورة قرية فلسطينية قديمة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، يقطنها في ذلك الوقت نحو 1500 نسمة يعتمدون في معيشتهم على الزراعة، وصيد الأسماك، وأعمال وضيعة في حيفا المجاورة. في 15 أيار 1948، اجتمعت مجموعة صغيرة من أعيان الطنطورة، بمن في ذلك مختارها، بضباط من الاستخبارات اليهودية عرضوا عليهم شروط الاستسلام. وساور الأعيان شك في أن الاستسلام سيؤدي إلى طرد سكان القرية، فرفضوا العرض.

بعد أسبوع، في 22 أيار 1948، هوجمت القرية ليلاً. في البداية، أراد القائد اليهودي المسؤول إرسال عربة إلى القرية تحمل مكبراً للصوت لدعوة السكان إلى الاستسلام، لكن لم يتم ذلك.

أتى الهجوم من أربع جهات. وكان ذلك أمراً غير مألوف؛ فاللواء كان يهاجم عادة من ثلاث جهات، تاركاً لغرض تكتيكي الجهة الرابعة، لتكون بمثابة «بوابة مفتوحة» يمكن أن يطرد الناس من خلالها. لكن غياب التنسيق جعل القوات اليهودية تطوق القرية تطويقاً كاملاً، بالتالي وجدت نفسها وفي عهدتها عدد كبير من السكان.

وأُجبر سكان الطنطورة الأسرى تحت تهديد السلاح على التجمع على الشاطئ. ثم فصلت القوات اليهودية الرجال عن النساء والأطفال، وطردت الأخيرين إلى قرية الفريديس المجاورة، حيث انضم إليهم بعض الرجال بعد عام ونصف العام.

وفي هذه الأثناء، أُمر مئات الرجال المجمَّعين على الشاطئ بالجلوس وانتظار وصول ضابط استخبارات إسرائيلي، شمشون ماشفيتس، كان يقطن في مستعمرة غِفْعات عادا المجاورة، وكانت القرية ضمن نطاق «منطقته».

جال ماشفيتس برفقة متعاون محلي، مغطّى الرأس كما في عين الزيتون، واختار عدداً من الرجال- مرة أُخرى، كان «الرجال» في نظر الجيش الإسرائيلي هم جميع الذكور ما بين سن العاشرة وسن الخمسين- اقتادهم في مجموعات صغيرة إلى بقعة أبعد قليلاً، حيث جرى إعدامهم. وقد اختير الرجال وفقاً لقائمة معدة سلفاً، ومأخوذة من ملف قرية الطنطورة، واشتملت على كل من شارك في ثورة 1936، أو في هجمات على وسائط النقل اليهودية، أو كانت له اتصالات بالمفتي، وأي شخص آخر «ارتكب» واحدة من «الجرائم» التي تدينه تلقائياً.

ولم يكن هؤلاء هم الوحيدون الذين جرى إعدامهم. فقبل أن تجرى عملية الفرز والإعدام على الشاطئ، اندفع جنود الوحدة المحتلة إلى الشوارع وإلى داخل البيوت في فورة قتل عشوائي مطلقين النار على كل من صادفهم. جُويل سكولنيك، خبير بزرع الألغام وتفجيرها، كان قد جرح في الهجوم، لكن بعد إدخاله المستشفى للمعالجة سمع من جنود آخرين أن ما جرى كان «واحدة من المعارك الأشد خزياً التي خاضها الجيش الإسرائيلي». وبحسب روايته، فإن طلقات قناص من داخل القرية عندما اقتحمها الجنود جعلت أفراد القوة اليهودية يتراكضون كالمجانين في الشوارع بعد احتلال القرية، مطلقين النار على كل من صادفهم، وذلك قبل أن يجري ما جرى على الشاطئ. وجدير بالذكر أن الهجوم وقع بعد أن أشار القرويون إلى رغبتهم في الاستسلام بتلويحهم بعلم أبيض.

وسمع سكولنيك أن جنديين على وجه التخصيص كانا يقومان بالقتل، وأنهما كانا سيستمران في ذلك لولا قدوم بعض الأشخاص من مستعمرة زِخْرون يعقوب القريبة ووضْعه حداً لتصرفهما. وقد كان رئيس مستعمرة زِخْرون يعقوب، يعقوب إبشتايل، هو من نجح في إيقاف عربدة القتل في الطنطورة، لكنه جاء «متأخراً جداً»، كما علَّق بمرارة أحد الناجين من المجزرة.

معظم القتل نُفِّذ بدم بارد على الشاطئ. بعض الضحايا جرى استجوابهم أولاً، وسُئلوا عن «مخبأ الأسلحة الضخم» المفترض أنه أُخفي في مكان ما في القرية. وعندما لم يستطيعوا الإجابة- لم يكن هناك أسلحة مخبأة - أُعدموا فوراً.

واليوم، يقطن كثيرون من الناجين من هذه الأحداث المروعة في مخيم اليرموك للاجئين في سورية، ويجدون صعوبة شديدة في التغلب على الصدمة الناجمة عن مشاهدتهم الإعدامات.

عندما انتهت العربدة في القرية وتمت الإعدامات أُمر فلسطينيان بحفر قبور جماعية بإشراف مردخاي سوكولر، من زِخْرون يعقوب، صاحب «التراكتورات» التي أُحضرت للقيام بالمهمة الرهيبة. وقد تذكر في سنة 1999 أنه دفن 230 جثة؛ وكان العدد واضحاً في ذهنه: «وضعتهم واحداً تلو الآخر في القبر.»

عندما استكمل لواء ألكسندروني عمليات التطهير على الساحل، أُمر بالتحرك نحو الجليل الأعلى:

مطلوب منكم أن تحتلوا قَدَس وميرون والنبي يوشع والمالكية؛ قَدَس يجب تدميرها. أمّا الاثنتان الأُخريان [النبي يوشع والمالكية- المترجم] فيجب أن تُسلّما إلى لواء غولاني وسيقرر قائده ماذا يفعل بهما. ميرون يجب أن تُحتل وتوضع في تصرف لواء غولاني.

المسافة الجغرافية بين مختلف المواقع كبيرة جداً، وتدل مرة أُخرى على السرعة الطموحة التي كان متوقعاً من القوات المحافظة عليها في رحلتها التدميرية.

الجزء الثامن

أرادت النخبة السياسية الإسرائيلية اجتثاث الطابع «العربي» الواضح جداً للجليل. لكن الجليل، على الرغم من جهود إسرائيل لـ «تهويده» - ابتداء من عمليات الطرد المباشر في الأربعينات، إلى الاحتلال العسكري في الستينات، إلى مصادرات الأراضي الهائلة في السبعينات، إلى جهود التوطين اليهودية الواسعة النطاق في الثمانينات - لا يزال إلى الآن المنطقة الوحيدة في فلسطين التي احتفظت بجمالها الطبيعي، ونكهتها الشرق الأوسطية، وثقافتها الفلسطينية. وبما أن نصف عدد سكانه من الفلسطينيين، فإن «الميزان الديموغرافي» يمنع كثيرين من اليهود الإسرائيليين من الاعتقاد أن المنطقة «تخصهم»، حتى في بداية القرن الحادي والعشرين.

في شتاء سنة 1948، اشتملت محاولات الإسرائيليين لإمالة «الميزان» الديموغرافي الى مصلحتهم على طرد سكان قرى صغيرة إضافية، مثل عرب السمنية بالقرب من عكا، البالغ عدد سكانها 200 نسمة، والقرية الكبيرة دير القاسي البالغ عدد سكانها 2500 نسمة. وبالإضافة إلى ذلك، هناك القصة الفريدة للقرى الثلاث: إقرت وكفر برعم والغابسية، التي بدأت في تشرين الأول (أكتوبر) 1948 ولم تنته بعد. وحكاية إقرت شبيهة بما جرى أيضاً للقريتين الأُخريين.

كانت القرية القريبة من الحدود اللبنانية، تجثم عالية في الجبل، على بعد نحو 30 كم من ساحل البحر. احتلتها كتيبة إسرائيلية في 31 تشرين الأول 1948. استسلم السكان من دون قتال، إذ كانوا من الطائفة المارونية وتوقعوا أن يكونوا مرحباً بهم في الدولة اليهودية الجديدة. وأمرهم قائد الكتيبة بالمغادرة بحجة أن بقاءهم يشكل خطراً عليهم، ووعدهم بتمكينهم من العودة خلال أسبوعين، بعد انتهاء العمليات الحربية. وفي 6 تشرين الثاني (نوفمبر)، أُخرج السكان من بيوتهم، ونقلتهم شاحنات الجيش إلى الرامة. وسُمح لخمسين شخصاً، بينهم الكاهن، بالبقاء للمحافظة على البيوت والأملاك، لكن الجيش الإسرائيلي عاد بعد ستة أشهر وطردهم هم أيضاً.

ونجد هنا مثالاً لتنوع الأساليب التي اتبعت في عمليات التطهير. إن حالة إقرت وقرية كفر برعم المجاورة هي من الأمثلة القليلة المعلنة التي قرر السكان فيها أن يخوضوا معركة طويلة الأمد بحثاً عن الإنصاف من خلال المحاكم الإسرائيلية. فالقرويون، لأنهم مسيحيون، سُمح لهم بالبقاء في البلد، لكن لا في قريتهم. غير أنهم لم يستسلموا، وبدأوا كفاحاً قانونياً طال أمده، من أجل حقهم في العودة إلى قريتهم، مطالبين باحترام وعد الجيش لهم. وها قد مضى ستون عاماً تقريباً وما زالوا يواصلون كفاحهم لاسترداد حياتهم المسروقة.

في 26 أيلول (سبتمبر) 1949، أعلن وزير الدفاع أن قوانين الطوارئ (الموروثة من الانتداب البريطاني تنطبق على إقرت، وذلك من أجل منع العودة التي وعد الضابط المحتل سكان القرية بها. وبعد عام ونصف العام تقريباً، في 28 أيار (مايو) 1951، قرر سكان إقرت رفع قضيتهم إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، التي قررت بتاريخ 31 تموز (يوليو) أن إجلاء السكان كان غير قانوني وأمرت الجيش بالسماح لسكان إقرت بالعودة إلى قريتهم الأصلية والاستقرار فيها. ومن أجل الالتفاف على قرار المحكمة العليا، كان الجيش بحاجة إلى إثبات أنه أصدر أمراً رسمياً بالطرد خلال حرب 1948. وكان من شأن ذلك أن يحول إقرت إلى مجرد قرية أُخرى أخليت من سكانها، مثلها مثل الـ350 قرية فلسطينية التي تغاضت المحاكم الإسرائيلية بأمر رجعي عن طرد سكانها. فكان أن فبرك الجيش الإسرائيلي أمراً رسمياً كهذا من دون أي تردد أو وسواس. في أيلول 1951، أصيب سكان قرية إقرت، المقيمون آنذاك بالرامة كلاجئين، بالذهول لدى رؤيتهم الأمر العسكري الرسمي القاضي بطردهم، وعليه التاريخ: 6 تشرين الثاني 1948، الأمر الذي يعني أنه أُرسل إليهم بعد ثلاثة أعوام تقريباً.

ومن أجل أن ينهي الجيش الإسرائيلي المسألة مرة وإلى الأبد، قام عشية عيد الميلاد في سنة 1951 بتدمير جميع البيوت في قرية إقرت تدميراً كلياً، مستثنياً الكنيسة والمقبرة فقط. ودمّر في السنة نفسها على نحو مشابه قرى عدة مجاورة، بينها: قديتا ودير حنا وكفر برعم والغابسية، كي يمنع العودة إليها. وكان سكان كفر برعم والغابسية نجحوا أيضاً في الحصول على أحكام قاطعة من محاكم إسرائيلية [تقضي بعودتهم- المترجم]. وكما حدث بالنسبة إلى إقرت، «انتقم» الجيش بتدمير قريتيهم، متذرعاً بعذر سخيف فحواه أن الجيش كان يقوم بتدريبات عسكرية في المنطقة، وضمنها قصف جوي، ونجم عن ذلك بطريقة ما تحويل القريتين إلى ركام غير صالح للسكن.

وكان التدمير جزءاً من معركة متواصلة ضد «تعريب» الجليل، كما ترى إسرائيل الأمر. في سنة 1976، وصف الموظف الأعلى مرتبة في وزارة الداخلية، يسرائيل كوينغ، الفلسطينيين في الجليل بأنهم «سرطان في جسد الدولة.» وقال عنهم رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي، رفائيل إيتان، صراحة بأنهم «صراصير». لقد فشلت الجهود المكثفة لـ«تهويد» الجليل حتى الآن في جعله «يهودياً». لكن بما أن كثيرين من الإسرائيليين، بمن فيهم سياسيون وأكاديميون، أصبحوا يقبلون ويبررون التطهير العرقي الذي حدث، ويوصون صناع القرار المستقبليين بتكراره، فإن خطر عمليات طرد إضافية ما زال يحوّم فوق رؤوس السكان الفلسطينيين في هذا الجزء من فلسطين.

استمرت عمليات «التخلص ممن تبقى» خلال نيسان (أبريل) 1949، ونجم عنها في بعض الأحيان مجازر جديدة، وتعرضت لذلك خربة الوعرة السوداء، التي كان يقطن فيها بدو من عرب المواسي. وكانت هذه القرية الصغيرة، الواقعة في الجليل الشرقي، نجحت في صد هجمات عدة خلال «عملية حيرام»، فتُركت وشأنها. وأقدم عدد من القرويين، بعد واحدة من الهجمات، على قطع رؤوس جنود إسرائيليين قتلى. ولمّا انتهت الأعمال الحربية الشاملة في تشرين الثاني 1948، حان وقت الانتقام. ويصف تقرير قائد الكتيبة 103، التي ارتكبت الجريمة، ما حدث بتفصيل نابض بالحياة. جُمع رجال القرية في مكان معين بينما أخذت القوات تشعل النار في جميع البيوت. وأُعدم على الفور أربعة عشر رجلاً، وسيق الباقون إلى أحد المعتقلات.

منع العودة

ركزت عمليات التطهير العرقي الرئيسة في نهاية سنة 1948 على تطبيق سياسة إسرائيل المعارضة لعودة اللاجئين إلى مواطنهم. وتجلى ذلك في مستويين: المستوى الأول قومي، ودشنه قرار اتخذته الحكومة الإسرائيلية في آب (أغسطس) 1948 قضى بتدمير جميع القرى التي تم إخلاؤها وتحويلها إلى مستعمرات يهودية، أو إلى غابات «طبيعية». والمستوى الثاني دبلوماسي، انصب الجهد فيه على تفادي الضغط الدولي المتنامي على إسرائيل للسماح بعودة اللاجئين. وكان الإثنان مرتبطين أحدهما بالآخر، إذ سرّعت إسرائيل عمداً عملية التدمير والهدم لتحقيق هدف محدد هو تفادي أي بحث في موضوع عودة اللاجئين إلى بيوتهم، باعتبار أن هذه البيوت لن تكون موجودة.

المجهود الدولي الرئيس لتسهيل عودة اللاجئين قادته لجنة التوفيق الخاصة بفلسطين، التابعة للأمم المتحدة. وكانت هذه لجنة صغيرة مؤلفة من ثلاثة أعضاء فقط، واحد من كل من فرنسا وتركيا والولايات المتحدة الأميركية. وقد دعت اللجنة إلى عودة غير مشروطة للاجئين إلى ديارهم، كما طالب بذلك وسيط الأمم المتحدة، الكونت فولك برنادوت، الذي جرى اغتياله. وترجم موقف اللجنة هذا إلى قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة أيده معظم الدول الأعضاء، وتم تبنيه كقرار في 11 كانون الأول 1948. وقد منح هذا القرار، قرار الأمم المتحدة الرقم 194، اللاجئين الحق في الاختيار بين العودة غير المشروطة إلى بيوتهم وبين قبول تعويض.

وقامت إسرائيل، بالإضافة إلى جهودها في المستويين السابقين لمنع العودة، بمجهود ثالث، هو ضبط التوزع الديموغرافي للفلسطينيين، سواء داخل القرى التي لم يجر تطهيرها، أم في مدن فلسطين التي كانت سابقاً مختلطة وتحولت إلى مدن «خالية كلياً من العرب». ولهذا الغرض، شكل الجيش الإسرائيلي في 12 كانون الثاني (يناير) 1949 وحدة جديدة، هي وحدة الأقليات. وكانت مكونة من الدروز والشركس والبدو الذين جرى تجنيدهم للقيام بعمل وحيد محدد: منع القرويين الفلسطينيين وسكان المدن من العودة إلى بيوتهم الأصلية.

تحت بصر مراقبي الأمم المتحدة الذين كانت دورياتهم الجوية تحوّم في سماء الجليل، بدأت المرحلة النهائية من عملية التطهير العرقي في تشرين الأول 1948، واستمرت حتى صيف سنة 1949. وسواء من الجو أم على الأرض، لم يكن في قدرة أي كان عدم رؤية جموع الرجال والنساء والأطفال وهم يتدفقون يومياً في اتجاه الشمال. وكان النساء والأطفال المرهقون العنصر الطاغي في هذه القوافل البشرية، إذ كان الشبان غائبين. كانوا إمّا مقتولين، أو معتقلين، أو مفقودين. أمّا مراقبو الأمم المتحدة من الأعلى، أو شهود العيان اليهود على الأرض، فمن المؤكد أن قلوبهم كانت آنذاك قد تحجرت، وإلاّ كيف يمكن تفسير القبول الصامت بمثل هذا الترحيل الجماعي القسري الهائل الذي كان يجري تحت بصرهم؟

وتوصل مراقبو الأمم المتحدة في تشرين الأول إلى بعض الاستنتاجات، وكتبوا إلى الأمين العام للأمم المتحدة - الذي لم ينشر تقريرهم - أن السياسة الإسرائيلية كانت «اقتلاع العرب من قراهم الأصلية في فلسطين بالقوة، أو بالتهديد.» وحاول الأعضاء العرب لفت انتباه مجلس الأمن إلى التقرير عن فلسطين، لكن من دون جدوى. وظلت الأمم المتحدة طوال ثلاثين عاماً تقريباً تتبنى بلا مساءلة إبهام لغة آبا إيبن، مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة، الذي كان يتحدث عن اللاجئين كأنهم «مشكلة إنسانية» لا يمكن اعتبار أحد مسؤولاً عنها أو محاسبته عليها. كما صدم المراقبين أيضاً حجم النهب المتواصل الذي كان طاول عند حلول تشرين الأول 1948 كل قرية وكل مدينة في فلسطين. وبما أن الأمم المتحدة كانت أقرت قبل عام تقريباً قرار التقسيم بغالبية ساحقة، فقد كان في وسعها أن تصدر قراراً آخر يدين التطهير العرقي لكنها لم تفعل ذلك قط.

كان نجاح إسرائيل في هذه المرحلة النهائية كبيراً إلى درجة أن أحلام إنشاء إمبراطورية مصغرة عادت إلى الظهور. واستُنفرت القوات الإسرائيلية مرة أُخرى من أجل توسيع الدولة اليهودية بحيث تشمل الضفة الغربية والجنوب اللبناني. واختلفت الأوامر الصادرة إليها هذه المرة عن سابقاتها بأن الإشارات إلى الضفة الغربية (المسماة السامرية أو المثلث العربي في تلك الأيام) كانت أوضح، وشكلت في الواقع الخرق الأول الشفاف والرسمي للتفاهمات الإسرائيلية - الأردنية. وكانت الأوامر تقضي بمحاولة احتلال المناطق الواقعة حول جنين في الجزء الشمالي من الضفة الغربية حالياً، وإذا نجحت في ذلك، التقدم نحو نابلس. ومع أن الهجوم جرى تأجيله، فإن القيادة العسكرية العليا ظلت مهجوسة طوال الأشهر التالية بالمناطق التي لم يحتلها الجيش بعد، وخصوصاً بالضفة الغربية. ولدينا الأسماء التي أُطلقت على مختلف العمليات التي خططت إسرائيل لتنفيذها هناك ما بين كانون الأول 1948 وآذار (مارس) 1949، وأشهرها عملية «سْنير». لكن عندما وقّعت إسرائيل والأردن في النهاية اتفاق الهدنة، كان لا بد من تنحيتها جانباً.

وكما نعرف، أُعيد تنشيط هذه الخطط في حزيران (يونيو) 1967، عندما استغلت الحكومة الإسرائيلية سياسات حافة الحرب التي أقدم عليها جمال عبد الناصر لتشن هجوماً على الضفة الغربية بكاملها.

أجرى بن - غوريون المناقشات المتعلقة بالخطط المستقبلية، بما في ذلك ضرورة احتلال الجنوب اللبناني، في لجنة مؤلفة من خمسة أشخاص (جميعهم أعضاء سابقون في الهيئة الاستشارية) دعاها إلى المقر الرئيسي الجديد لقيادة الجيش الإسرائيلي، الذي كان اسمه «التلة». وقد اجتمع هؤلاء مرات عدة خلال تشرين الأول وتشرين الثاني، ولا بد من أن تكون هذه الاجتماعات جعلته يحن إلى أعضاء عصبته السرية السابقة. فقد شاور هذه اللجنة صاحبة القرار، المكونة من خمسة أعضاء، في شأن احتلال الضفة الغربية في المستقبل. فواجهته بحجة إضافية ضد احتلال الضفة الغربية. وعلى حد قول أحد المشاركين، يتسحاق غرينباوم، وزير الداخلية الإسرائيلي: «سيكون من المستحيل أن نفعل هناك ما فعلناه في باقي فلسطين»، أي تطهير عرقي. وتابغ غرينباوم: «إذا قمنا باحتلال أمكنة مثل نابلس، فسيطالبنا العالم اليهودي بالاحتفاظ بها» [وبالتالي لن نحصل على نابلس فقط، بل أيضاً على النابلسيين]. وفي سنة 1967 فقط، أدرك بن- غوريون صعوبة تكرار أعمال الطرد الجماعية، التي حدثت سنة 1948، في المناطق التي احتلتها إسرائيل في حرب حزيران. ومن سخريات القدر، ان يكون هو من أقنع رئيس هيئة الأركان آنذاك، يتسحاق رابين، بالامتناع من القيام بعمليات طرد جماعي واسعة النطاق، وبالاكتفاء بترحيل 200.000 نسمة «فقط». وانطلاقاً من إدراكه صعوبة الطرد، أوصى الجيش بالانسحاب من الضفة الغربية فوراً. لكن رابين، الذي دعمه أعضاء الحكومة الآخرون آنذاك، أصر على ضم المناطق إلى إسرائيل.

كانت خطط الاستيلاء على الجنوب اللبناني مبنية على تقارير استخباراتية بأن اللبنانيين ليس لديهم خطط هجومية، وإنما خطط دفاعية فقط. وقد احتلت القوات الإسرائيلية ثلاث عشرة قرية في الجنوب اللبناني، ووجدت بين أيديها عدداً كبيراً ممن سمّتهم «أسرى حرب»- خليطاً من قرويين وجنود - أكثر مما تستطيع التعامل معهم. وبالتالي، نُفّذت هنا أيضاً عمليات إعدام. ففي 31 تشرين الأول 1948، أعدمت القوات اليهودية أكثر من ثمانين قروياً في قرية حولا وحدها، بينما قتلت في قرية «الصالحة» أكثر من مئة شخص. -->

الجنوب والشرق

كانت الجبهة الأخيرة النقب الجنوبي، الذي وصل إليه الإسرائيليون في تشرين الثاني 1948. طردوا القوات المصرية المتبقية إلى خارج الحدود، وواصلوا التقدم جنوباً حتى وصلوا في آذار 1949 إلى قرية للصيادين بالقرب من البحر الأحمر، أم رشرش، التي هي اليوم مدينة إيلات.

أراد يغآل ألون، الذي كان يعرف أن الألوية المشغولة بالتطهير العرقي في المناطق المزدحمة بالسكان هي الأفضل، أن يعيد توجيهها لاحتلال النقب: «أنا بحاجة إلى استبدال لواء النقب بلواء هرئيل، وأريد أيضاً اللواء الثامن. العدو قوي ومتحصن ومسلح جيداً، وسيشن حرباً عنيدة، لكننا نستطيع أن ننتصر.»

إلاّ إن المصدر الرئيس للقلق كان الخوف من هجوم بريطاني مضاد، لأن الإسرائيليين كانوا يعتقدون، خطأً، أن بريطانيا تريد الاحتفاظ بهذه المنطقة، أو أن حكومة صاحب الجلالة ستفعّل المعاهدة الدفاعية مع مصر، لأن بعض القوات الإسرائيلية كان على وشك التحرك إلى داخل أراضٍ مصرية. غير أن البريطانيين لم يفعلوا أياً من الأمرين، مع أنهم اشتبكوا هنا وهناك مع سلاح الجو الإسرائيلي الذي قصف بلا رحمة، وربما من دون سبب، رفح وغزة والعريش. ونتيجة ذلك، فإن الغزاويين، اللاجئين منهم والسكان القدامى، هم أصحاب التاريخ الأطول كضحايا للقصف الجوي الإسرائيلي، منذ سنة 1948 حتى الآن.

أمّا على جبهة التطهير العرقي، فإن العمليات النهائية في الجنوب وفرت، كما كان متوقعاً، فرصة لمزيد من إخلاء البلد من الفلسطينيين ولمزيد من الطرد. احتُلت المدينتان الساحليتان الجنوبيتان، إسدود والمجدل، في تشرين الثاني 1948 وطُرد سكانهما إلى قطاع غزة. وطُرد آلاف من السكان الذين بقوا في المجدل في كانون الأول 1949، الأمر الذي صدم بعض اليساريين الإسرائيليين لأن ذلك حدث في «زمن السلم».

وكُرّس كانون الأول لتطهير النقب من كثير من القبائل البدوية المقيمة هناك. طُردت قبيلة الترابين الكثيرة العدد إلى غزة، وسمح الجيش لـ1000 من أفرادها فقط بالبقاء. وشُطرت قبيلة أُخرى، التياها، إلى قسمين، نصفها رُحّل إلى غزة، والنصف الآخر رُحّل في اتجاه الأردن. ودُفعت قبيلة الهجاجرة، التي كانت منتشرة على جانبي خط السكة الحديد، إلى غزة في كانون الأول. ومن كل هذه لم ينجح في العودة إلاّ قبيلة العزازمة، لكنها طُردت مرة أُخرى في ما بين سنة 1950 وسنة 1954، عندما أصبحت الهدف المفضل لقوة كوماندو إسرائيلية خاصة، القوة 101، التي كان يقودها ضابط شاب طموح اسمه أريئيل شارون. كما أن الوحدات الإسرائيلية أكملت في كانون الأول إخلاء منطقة بئر السبع التي كانت بدأت بإخلائها في خريف سنة 1948. وعندما انتهت من ذلك، كان تسعون في المئة من السكان الذين كانوا يعيشون منذ قرون في أقصى الجنوب الآهل من فلسطين قد ذهبوا.

في تشرين الثاني وكانون الأول هاجمت القوات الإسرائيلية وادي عارة مرة أُخرى، لكن وجود المتطوعين والوحدات العراقية والقرويين المحليين ردع، وفي عدة حالات أحبط، هذه الخطة مرة ثانية. وقد نجحت القرى المألوفة أسماؤها للإسرائيليين المسافرين حالياً على الطريق 65 المزدحم، الذي يصل بين العفولة وحديرا، في حماية نفسها من قوة عسكرية متفوقة عليها بما لا يقاس: المشيرفة؛ مصمص؛ معاوية؛ عرعرة؛ برطعة؛ الشويكة؛ وكثير غيرها. وأصبحت أكبر هذه القرى بلدة نعرفها اليوم باسم أم الفحم، وكان القرويون فيها قد نظّموا آنذاك، بمساعدة من جنود عراقيين، قوة سموها «جيش الشرف». وقد سمى الإسرائيليون المحاولة الخامسة لاحتلال هذه القرى «حِدوش يَمينوا كِـ - كيدِمْ» (أي: «إحياء ماضينا المجيد»)، ربما على أمل أن يشحن اسم رمزي حافل بالدلالات كهذا القوات بحماسة خاصة، لكن المحاولة باءت بالفشل مرة أُخرى.

أُطلق على العملية في منطقة بئر السبع - الخليل اسم منذر بالشؤم: «الأَصله» [نوع من الحيات - المترجم]. وهناك، بالإضافة إلى بلدة بئر السبع الصغيرة، البالغ عدد سكانها 5000 نسمة، والتي احتلت في 21 تشرين الأول، احتُلت قريتان كبيرتان، القبيبة والدوايمة. وروى حبيب جرادة، الذي يعيش حالياً في مدينة غزة، كيف طُرد سكان بئر السبع تحت تهديد السلاح إلى الخليل. وأسطع ما بقي حياً في ذاكرته هو مشهد رئيس البلدية وهو يتوسل إلى الضابط المحتل راجياً ألاّ يرحِّل السكان. «نحن بحاجة إلى الأرض، لا إلى عبيد»، أتى الجواب الفظ.

كان المدافعون عن بئر السبع في الأساس متطوعين مصريين من الإخوان المسلمين بقيادة ضابط ليبي، رمضان السنوسي. وعندما انتهى القتال، جُمع الجنود الأسرى والسكان المحليون الذين شكّت القوات الإسرائيلية في أنهم حملوا السلاح، وأُطلقت عليهم النار بصورة عشوائية. ويتذكّر جرادة حتى الآن كثيراً من أسماء الناس الذين قتلوا، وبينهم ابن عمه يوسف جرادة وجدّه علي جرادة. أمّا هو، فقد سيق إلى أحد المعتقلات وأُطلق في صيف سنة 1949 في عملية تبادل للأسرى أعقبت إبرام الهدنة مع الأردن.

مجزرة الدوايمة

قرية الدوايمة، الواقعة بين بئر السبع والخليل ما جرى لها ربما كان أسوأ ما حدث في تاريخ الأعمال الوحشية التي ارتكبت خلال النكبة. أما الوحدة التي احتلتها فكانت الكتيبة 89 التابعة للواء الثامن. للتفاصيل طالع: مجزرة الدوايمة.


التطهير العرقي ليس إبادة عرقية، لكنه ينطوي على أعمال وحشية وقتل جماعي ومجازر. آلاف من الفلسطينيين قتلوا بوحشية ومن دون رحمة بأيدي جنود إسرائيليين من خلفيات ورتب وأعمار متعددة. وأياً منهم لم يحاكم لارتكابه جرائم حرب، على رغم الأدلة الوافرة.

ولم يثْنِ أي أسف القوات الإسرائيلية عن إنجاز مهمتها القاضية بتطهير فلسطين؛ وهي مهمة انبرت لتنفيذها بمستويات متصاعدة من القسوة والوحشية. وهكذا، ابتداء من تشرين الثاني 1948 حتى التوصل إلى اتفاق نهائي مع سورية ولبنان في صيف سنة 1949، تم احتلال سبع وثمانين قرية أُخرى: ست وثلاثون منها أُخليت بالقوة، بينما رُحّل من البقية أعداد مختارة. ومع بداية سنة 1950، بدأت أخيراً طاقة وتصميم الطاردين بالنفاد، وأصبح الفلسطينيون الذين كانوا ما زالوا يعيشون في فلسطين- التي قُسّمت إلى دولة إسرائيل، وضفة غربية أردنية، وقطاع غزة مصري- بمأمن من الطرد إلى حد كبير. صحيح أنهم أُخضعوا لحكم عسكري في إسرائيل ومصر، وبالتالي ظل وضعهم هشاً، لكن مهما تكن الصعوبات التي عانوها، فإنها تظل أهون من تلك التي تعرضوا لها في سنة الأهوال التي نسميها الآن «النكبة».

مراجع

طالع أيضا

Personal tools